في المقابل، يتجاوز طريق بحر الشمال هذه النقاط الحساسة، إذ يمتد في معظمه ضمن المياه الإقليمية الروسية، مما يوفر درجة أعلى من القدرة على التنبؤ والاستقرار على الصعيد السياسي. كما يختصر هذا المسار زمن العبور بين شمال الصين وشمال أوروبا على نحو ملموس، إذ تستغرق السفينة نحو 25 يوما للوصول من شنغهاي إلى روتردام عبر طريق بحر الشمال الذي يختصر المسافة بنحو 2500 ميل بحري، بدلا من 35 إلى 45 يوما عبر قناة السويس. ويعني ذلك أيضا خفض انبعاثات الكربون إلى النصف تقريبا في الرحلة الواحدة. وتبدي دولتان تحديدا اهتماما بالغا بتفعيل هذا الشريان الملاحي، هما روسيا والصين.
انفراج روسي وطموح صيني وهيمنة أميركية
في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقع أليكسي ليخاتشيف، المدير العام لمؤسسة "روساتوم" الحكومية الروسية، وليو وي، وزير النقل في جمهورية الصين الشعبية، وثيقة مفصلية في مدينة هاربين الصينية، أقرت خطة عمل لتطوير الملاحة على طول طريق بحر الشمال، الذي وصفه ممثل "روساتوم" خلال الاجتماع بأنه شريان النقل الرئيس في القرن الحادي والعشرين، والطريق القادر على توفير روابط أسرع وأكثر كفاءة وأمانا بين القارات.
يكتسب هذا الشريان أهمية محورية في طموحات بكين العالمية، إذ لا تزال 90 في المئة من صادرات الصين تعبر البحار. فمن الطبيعي إذن أن تسعى الصين في الآونة الأخيرة إلى ترسيخ موقعها كطرف فاعل في هذه المنطقة. ففي عام 2018، أصدرت الصين وثيقة تتناول سياستها المتعلقة بالقطب الشمالي، وأطلقت على نفسها، بصورة جدلية، وصف "دولة مجاورة للقطب الشمالي". وأشارت في الوثيقة إلى "طريق الحرير القطبي" باعتباره جزءا من "مبادرة الحزام والطريق". وتسعى الصين، التي انضمت إلى مجلس القطب الشمالي في عام 2013، بنشاط لإقامة شراكات مع الدول الأوروبية المطلة على القطب الشمالي في مشاريع تبدو في ظاهرها بحثية.
أين الصين من الملاحة في القطب الشمالي؟
قبل عقدين فقط، كانت الصين تفتقر إلى القدرة على الملاحة في مياه القطب الشمالي. ولكنها، خلال الأعوام الخمسة الماضية، صنعت عددا من كاسحات الجليد، وإن يكن بالاعتماد في بعض الحالات على مكونات موردة من الخارج. وصنفت هذه السفن حتى الآن على أنها سفن أبحاث، غير أن الصين ستعزز على الأرجح قدراتها في مجال كاسحات الجليد في المدى المنظور. وفي دلالة واضحة على هذه التحولات، فوجئ خفر السواحل الأميركي في يوليو/تموز 2024 بظهور أربع سفن صينية في بحر بيرينغ، أعلنت أنها تشارك في أنشطة بحثية في القطب الشمالي.

من جهة أخرى، تمنح التطورات المرتبطة بطرق بحر الشمال قدرا من الانفراج لروسيا، ولا سيما في ظل وضعها الجيوسياسي الراهن عقب غزوها أوكرانيا. إذ تفرض موسكو رسوما على عبور أي دولة تستخدم هذا الطريق، فضلا عن تقاضي مقابل خدمات كاسحات الجليد والحماية التي توفرها. وتتيح كاسحات الجليد الروسية العاملة بالطاقة النووية حاليا الملاحة على طول الطريق بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول، غير أن التغير المناخي قد يوسع هذه النافذة الزمنية مستقبلا.









