اضطراب “هرمز” يعيد الاهتمام بسوريا كممر للطاقة
عنب بلدي – وسيم العدوي
“عندما يتعطل مضيق هرمز أو يصبح العمل فيه محفوفًا بالمخاطر، فإن العالم لا يبحث فقط عن ناقلات وسفن، بل عن جغرافيا بديلة، وهنا تظهر سوريا لا باعتبارها لاعبًا نفطيًا من حيث الإنتاج، بل كمساحة عبور استراتيجية يمكن أن تكتسب قيمة مضاعفة في أوقات الأزمات”، هذا ما قاله المصرفي الفرنسي السوري والمستشار السابق في وزارة الاقتصاد الفرنسية، آلان الأتاسي.
يرى الأتاسي، بحسب ما نقلت عنه صحيفة “الإندبندنت” البريطانية منذ نحو أسبوع، أن الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في عبور الشاحنات العراقية نحو بانياس السورية، بل في الرسالة التي يبعثها هذا التطور إلى الأسواق والشركاء الإقليميين والدوليين، ومفادها أن الأراضي السورية باتت مطروحة مجددًا كجزء من الحل.
ومن منظور اقتصادي بحت، فإن الممرات البرية في أوقات الاضطراب البحري تكتسب وزنًا استثنائيًا، لأن البديل لا يقاس فقط بالتكلفة المالية، بل أيضًا بتكلفة التأخير وعدم اليقين والأخطار الجيوسياسية.
وتشير وزارة الطاقة السورية، في الوقت ذاته، إلى أن حجم تدفق الفيول العراقي إلى مصفاة بانياس سيصل إلى نحو 500 ألف طن متري شهريًا، مؤكدة أن هذه خطوة تؤشر إلى انطلاق مرحلة جديدة من تفعيل حركة “ترانزيت” الطاقة من خلال سوريا، وتعزيز دورها “الحيوي” في الربط بين الأسواق الإقليمية، واستعادة موقعها الاستراتيجي بوصفها ممرًا آمنًا وموثوقًا للطاقة.
عقبات كبرى أمام إحياء خطوط الأنابيب عبر سوريا
في ظل إغلاق مضيق “هرمز”، اعتبر خبير الطاقة في شركة “كرم شعار للاستشارات” الدكتور محمد أحمد، أنه نتيجة الظروف الطارئة الناجمة عن الأوضاع في المضيق، يبدو تحويل سوريا إلى ممر لتصدير النفط العراقي أكثر واقعية في ظل قلة الخيارات المتاحة للعراق، ولكن هذا الأمر ما زال يواجه صعوبات أمنية، قبل تحقيق الاستقرار الأمني وخاصة في البادية السورية، إذ يمكن أن تتعرض قوافل الشاحنات إلى هجمات من تنظيم “الدولة”.
والأمر لا ينطبق بالضرورة على النفط الخليجي، لأن الخليج لديه خيار تصدير النفط عبر البحر الأحمر، سواء عبر ايصاله بالشاحنات أو عبر أنابيب، أما في حال تصديره عبر سوريا، فمن المرجح أن تسلك الشاحنات طريقًا أكثر استقرارًا من الجنوب السوري حتى شواطئ طرطوس وبانياس، ولكن ستكون التكلفة أكبر من تصديره عبر البحر الأحمر.
وفيما يتعلق بإعادة إحياء خطوط أنابيب تاريخية، كخط كركوك- بانياس بين العراق وسوريا، أو خط التابلاين العربي من الخليج حتى البحر المتوسط، هناك عقبات كبرى، بحسب الخبير ذاته، تتعلق بـ:
- الاستقرار الأمني والسياسي على المدى والطويل.
- التكلفة العالية.
- الوقت الذي تحتاج إليه هذه المشاريع للإنجاز.
وفي المحصلة، فإن الواقعية أعلى بكثير بالنسبة لحلول العبور المؤقتة أو المحدودة، وأقل بالنسبة لممر أنابيب استراتيجي دائم.
تكلفة بمليارات الدولارات وفوائد ضخمة
اعتبر الخبير المختص بالطاقة أن حجم الاستثمارات المطلوبة كبير جدًا، خاصة إذا كان الأمر لا يقتصر على إصلاح خط واحد من أنابيب النفط بل يشمل شبكة عبور متكاملة، وتشير التقديرات الأولية إلى أن تكاليف إعادة بناء منظومة خط كركوك- بانياس قد تتجاوز 4.5 مليار دولار، ومن ناحية أخرى فإن إعادة تأهيل البنية التحنية قد تتخطى العشرة مليارات دولار لقطاع النفط والغاز في سوريا.
وكانت الحكومة السورية قدّرت تكلفة إعادة تأهيل قطاع الطاقة ككل بنحو 30 مليار دولار منها عشرة مليارات فقط للكهرباء.
وحول الفوائد الاقتصادية المحتملة لسوريا في حال إعادة تفعيل خطوط التصدير عبر أراضيها، أكد الخبير أن الفوائد تشمل:
- رسوم العبور.
- إيرادات المواني والخدمات اللوجستية.
- فرص العمل في البناء والصيانة والحماية والنقل.
- تنشيط قطاعي التكرير والكهرباء إذا ارتبطت المشاريع بإعادة تأهيل المنظومة المحلية أيضًا.
وعلى المستوى الأوسع، يمكن للنقل الطاقوي عبر سوريا:
- رفع جاذبية سوريا الاستثمارية ويعيد وصلها تجاريًا بمحيطها العربي وشرق المتوسط.
- منح سوريا دخلًا دوريًا أكثر استدامة من الاعتماد على الإنتاج المحلي المتراجع وحده.
سوريا شريان حيوي بين الشرق والغرب
كي تصبح سوريا شريانًا حيويًا للطاقة بين الشرق والغرب، قال خبير الطاقة في شركة “كرم شعار للاستشارات” الدكتور محمد أحمد، إن الجغرافيا السورية تمنح الفرصة، ولكن تحويلها إلى شريان فعلي يحتم إنجاز الآتي:
- تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي بالدرجة الأولى.
- اعادة تأهيل البنية التحتية من أنابيب ومحطات ضخ وحتى مصافي التصدير على السواحل السوري لتتناسب مع القدرة الاستيعابية للتخزين ومن ثم التصدير.
- قابلية مصرفية للمشاريع، أي بيئة يمكن للممولين وشركات التأمين والمقاولين العمل فيها بثقة.
ومن أبرز التحديات التي تعوق تنفيذ مشاريع الأنابيب في سوريا، التحدي الأمني في الشرق والشمال الشرقي السوري، حيث ما زالت هشاشة السيطرة الميدانية ونشاط تنظيم “الدولة”، والتداخل بين قوى محلية وإقليمية ترفع مخاطر التخريب والانقطاع.
ويضاف إلى ذلك، بحسب الخبير، التحدي السياسي بين بغداد ودمشق وأربيل، والتحدي القانوني المرتبط بالعقود والتحكيم والامتثال، والتحدي التمويلي، لأن المستثمرين الكبار لن يضخوا مليارات الدولارات من دون وضوح سياسي وأمني طويل الأجل.
التأثيرات على توازنات الطاقة بالمنطقة
قال الخبير في شركة “كرم شعار للاستشارات”، إن تنفيذ مسارات خطوط النفط والغاز المقترحة، “قد يعيد رسم جزء من خريطة الطاقة في المنطقة” عبر خلق منفذ بري متوسطي بديل لبعض صادرات العراق وربما الخليج، بما يخفف من هشاشة الاعتماد الكامل على الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق “هرمز” أو “باب المندب”.
كما قد يعزز موقع شرق المتوسط وتركيا وسوريا كمجال عبور وتوزيع، ويمنح أوروبا منفذًا إضافيًا لتنويع الإمدادات، وهو ما يغير جزئيًا توازنات النفوذ بين المنتجين ومسارات التصدير التقليدية.
وسيكون الأثر على التوازنات ملموسًا فقط إذا تحول المشروع إلى بنية ثابتة وعالية السعة، وليس إذا بقي في إطار النقل البري أو الحلول المؤقتة.
موقف أمريكا وروسيا والدول الإقليمية.. دعم أو عرقلة
لخص خبير الطاقة في شركة “كرم شعار للاستشارات” الدكتور محمد أحمد مواقف الدول الكبرى والإقليمية بالآتي:
- الولايات المتحدة: ترى أن لسوريا موقعًا جغرافيًا يمنحها فرصة مميزة للعب دور اقتصادي في المنطقة، وهو ما عبّر عنه بكل وضوح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، خلال مؤتمر حواري بين شركات الطاقة السورية والأمريكية، عُقد بالعاصمة الأمريكية واشنطن (دُعيت إليه عنب بلدي وحضرته)، مؤكدًا أن “سوريا تملك القدرة لتكون جزءًا من الحل للمعضلة في مضيق هرمز والبحر الأحمر”.
واعتبر الخبير أن الولايات المتحدة يُحتمل أن تُظهر انفتاحًا كبيرًا على هذا التحول، ما دام يخدم أهدافًا كتحقيق مصالح حلفائها في الخليج، واستقرار سوريا، وتقليص النفوذ الإيراني، وفتح المجال أمام شركات غربية وأمريكية للدخول إلى قطاع الطاقة، كما أن إشراك إسرائيل في مشاريع كهذه سيزيد فرص قبول الولايات المتحدة لهذه المشاريع.
وقال أحمد، “عندما نتحدث عن تدفق الطاقة من الخليج إلى أوروبا، فإن موقع سوريا يبرز أكثر كبلد عبور، لكن تجدر الإشارة إلى أن التصريحات الأمريكية ليست ضمانة تنفيذ، فدون تنفيذ المشاريع المتعلقة بأنابيب النفط والغاز عوائق عدة، وحتى براك نفسه (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) يعتبر أن الأنابيب لم تعمل بشكل كفء تاريخيًا في المنطقة”.
- تركيا: مرشحة لتكون الداعم الإقليمي الأكثر نشاطًا، لأنها تسعى أصلًا إلى ترسيخ نفسها كمركز طاقة يربط الشرق بالغرب، وقد طرحت فعليًا أفكارًا لربط النفط والغاز والكهرباء عبر سوريا ضمن شبكة أوسع.
- دول الخليج: قد تدعم هذا المسار ماليًا وسياسيًا، إذا رأت فيه منفذًا آمنًا ومجديًا اقتصاديًا.
- إيران: ستنظر إلى مشروع تحويل سوريا لممر حيوي آمن للطاقة بطريقة سلبية، لأنه يضعف أهمية نفوذها ومساراتها التقليدية، ويخلق بديلًا جزئيًا عن الممرات التقليدية، ويسحب من يديها ورقة مضيق “هرمز”.
- العراق والأردن ولبنان: يمكن أن تكون دولًا مشاركة في مشاريع إقليمية كهذه، فالعراق ليس مجرد مستفيد، بل هو الطرف المركزي في القرار التجاري والفني، والأردن قد يكون مهمًا إذا طُرحت مسارات جنوبية أو شبكات ربط برية أوسع، كما أن شواطئ لبنان كانت تاريخيًا مركزًا لتصدير نفط الخليج.
- روسيا: ستنظر إلى أي ممر طاقة جديد عبر سوريا من زاويتين متناقضتين، فهي من جهة تريد الحفاظ على نفوذها في الساحل السوري وقطاع الطاقة، ومن جهة أخرى لا يناسبها قيام مسارات جديدة قد تعزز وصول طاقة غير روسية إلى المتوسط وأوروبا، وتاريخيًا، نظرت روسيا بحذر إلى مشاريع قد تفتح ممرًا بديلًا للغاز غير الروسي إلى المتوسط وأوروبا، وهذا التحليل قائم على معطيات تاريخية، كرفض روسيا اكتمال خط الغاز العربي بين حمص وحلب، قبل اندلاع الصراع في سوريا، وكذلك رفضها إنشاء خط الغاز القطري- التركي.





