أ.د. خالد الوزني : اقتصاديات أمن الممرات: عندما يصبح انسياب التجارة شرطاً للاستقرار الاقتصادي
•خالد واصف الوزني أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية بات الفكر الاقتصادي اليوم أسير العديد من العوامل التي لم يَعْتَدْ عليها المحللون أو المنظرون الاقتصاديون أو...
•فقد كان من الطبيعي الحديث عن اتفاقيات التجارة الحرة، أو فرض الرسوم والحمائية، أو الفجوات الاقتصادية الداخلية والخارجية، وصولاً إلى العجز/الفائض المالي والعجز/الفائض التجاري أو الجاري.
•وكان ذلك كله المحدد لصياغة السياسات النقدية أو المالية أو التجارية، عبر أدوات أسعار الفوائد، أو الضرائب المباشرة وغير المباشرة، أو الحمائية التجارية.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
بقلم: أ.د. خالد واصف الوزنيأستاذ الاقتصاد والسياسات العامةكلية محمد بن راشد للإدارة الحكوميةبات الفكر الاقتصادي اليوم أسير العديد من العوامل التي لم يَعْتَدْ عليها المحللون أو المنظرون الاقتصاديون أو حتى صنّاع القرار الاقتصادي، أو السياسي. فقد كان من الطبيعي الحديث عن اتفاقيات التجارة الحرة، أو فرض الرسوم والحمائية، أو الفجوات الاقتصادية الداخلية والخارجية، وصولاً إلى العجز/الفائض المالي والعجز/الفائض التجاري أو الجاري. وكان ذلك كله المحدد لصياغة السياسات النقدية أو المالية أو التجارية، عبر أدوات أسعار الفوائد، أو الضرائب المباشرة وغير المباشرة، أو الحمائية التجارية. اليوم باتت العوامل المؤثرة في صياغة السياسات الاقتصادية، أو التأثير في صانع القرار وفي المصير الاقتصادي للدول عوامل لم نَعْتَدْ عليها في العصر الحديث، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، بمغانمها ومغارمها.وفي هذا السياق لم تَعُد الممرات البحرية والبرية في الاقتصاد العالمي مجرد خطوط للنقل أو طرق لعبور السفن والبضائع، بل أصبحت أحد أهم محددات الاستقرار الاقتصادي العالمي. فكل اضطراب في مضيق هرمز، أو باب المندب، أو قناة السويس، أو قناة بنما، لم يَعُد أثره يقتصر على تأخير السفن أو ارتفاع تكاليف الشحن، بل يمتد ليؤثر في أسعار الغذاء والطاقة، والتضخم، وأسعار الفائدة، والمالية العامة، وميزان المدفوعات، وحتى في قدرة الدول على تحقيق النمو الاقتصادي.لقد كشفت السنوات الأخيرة أنَّ أمن الممرات أصبح جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن الاقتصادي. فبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، أدت الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر وتحويل مسارات السفن إلى ارتفاع الطلب على سفن الحاويات بنحو 12% نتيجة إطالة مسافات الإبحار.ففي مجال الأمن الغذائي بات من الواضح أنَّ الدول المستوردة للغذاء لا تعتمد فقط على توافر السلع في الأسواق العالمية، وإنما على قدرة السفن على إيصالها في الوقت المناسب وبأقل تكلفة ممكنة. وكلما تعطل أحد الممرات الحيوية، ارتفعت تكاليف النقل والتأمين، وتأخرت الإمدادات، وانتقلت هذه الزيادات تدريجياً إلى أسعار الغذاء المحلية، لتتحول من أزمة لوجستية إلى تحدٍّ اقتصادي واجتماعي. أما في مجال أمن الطاقة، فجزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية يمر عبر مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، ما يجعل أمن هذه الممرات عاملاً رئيساً في استقرار أسواق الطاقة. وأي اضطراب فيها ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز، ثم على تكاليف الإنتاج والنقل، لتدخل الاقتصادات في موجة جديدة من التضخم المستورد.وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين أمن الممرات والسياسات النقدية. فعندما ترتفع تكاليف الغذاء والطاقة والشحن، تجد البنوك المركزية نفسها أمام تضخُّم لا يعود إلى زيادة الطلب أو التوسع النقدي، وإنما إلى صدمات خارجية في سلاسل الإمداد. وفي مثل هذه الحالات، تضطر السلطات النقدية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترات أطول، رغم أنَّ أدواتها التقليدية لا تستطيع معالجة الأسباب الجيوسياسية الكامنة وراء التضخم.ولا تتوقف الآثار عند السياسة النقدية، بل تمتد إلى المالية العامة. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يزيد من أعباء الدعم الحكومي، ويرفع كلفة الإنفاق العام، ويؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة كلفة خدمة الدين نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة. كما تتعرض الاقتصادات المستوردة لضغوط إضافية على ميزان المدفوعات، مع ارتفاع فاتورة الواردات واتساع عجز الحساب الجاري، الأمر الذي ينعكس على احتياطيات النقد الأجنبي واستقرار أسعار الصرف.أما في سياق منظومة المنطقة العربية، فلا ينبغي النظر إلى أمن الممرات باعتباره قضية تخص الدول المطلة على المضائق والموانئ فحسب، بل قضية عربية مشتركة. فالمنطقة العربية تضم أهم الممرات البحرية في العالم، وفي الوقت نفسه تعتمد غالبية اقتصاداتها على التجارة الخارجية لاستيراد الغذاء والطاقة والسلع الوسيطة، أو لتصدير النفط والغاز والمنتجات الصناعية. ومن هنا، يصبح تطوير الموانئ، وتعزيز الربط البري والسككي، وتنويع مسارات التجارة، وبناء مخزونات استراتيجية للغذاء والطاقة، وتعزيز التعاون العربي في الخدمات اللوجستية والتأمين البحري جزءاً من استراتيجية الأمن الاقتصادي العربي. لقد انتقل العالم من اقتصاد كانت فيه الكفاءة وخفض التكلفة هما المعيار الأساسي لاتخاذ القرار، إلى اقتصاد أصبحت فيه المرونة والجاهزية وأمن الممرات عناصر لا تقل أهمية عن الكفاءة نفسها. فالدول لم تَعُد تبحث فقط عن أقصر طريق للتجارة، بل عن أكثر الطرق أمناً واستقراراً وقدرة على الصمود أمام الأزمات.وفي المحصلة، لم تَعُد قوة الدول تُقاس فقط بما تنتجه أو تملكه من موارد، بل بقدرتها على ضمان وصول ما تحتاج إليه، وإيصال ما تنتجه إلى العالم. ففي الاقتصاد الجديد، من يضمن انسياب الممرات لا يحمي التجارة فحسب، بل يحمي الأسعار، والعملة، والموازنة العامة، والنمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي. وربما أصبح من الضروري أن نضيف إلى قاموس الاقتصاد الكلي مفهوماً جديداً هو «اقتصاديات أمن الممرات»، بوصفه أحد أهم محددات التنمية والاستقرار في القرن الحادي والعشرين..khwazani@gmail.com
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


