إبراهيم تراوري باعث نهضة بوركينا فاسو . . !
إبراهيم تراوري باعث نهضة بوركينا فاسو . . !
موسى العدوان
تصدّر عناوين الأخبار خلال العام الماضي في القارة الأفريقية، رئيس جمهورية بوركينا فاسو، الكابتن ( نفيب ) إبراهيم تراوري ذو ال 36 عاما، وهو أصغر رئيس دولة في العالم، ليصبح رمزا لجيل الشباب في رفض الخضوع للإمبريالية الغربية، وصانع نهضة بوركينا فاسو الحديثة. وقبل الولوج في التفاصيل لابد لي من بيان لمحة موجزة عن هذه الدولة الأفريقية.
فجمهورية بوركينا فاسو هي دولة غير ساحلية، تبلغ مساحتها 274,000 كيلو متر مربع، عاصمتها (واغادوغو)، ويبلغ عدد سكانها حوالي 22 مليون نسمة، 60 % من هم مسلمون و25 % منهم مسيحيون، والباقي من ديانات مختلفة. تقع هذه البلاد في غرب إفريقيا وتحدها ستة دول هي : مالي من الشمال، النيجر من الشرق، بنين من الجنوب الشرقي، توغو وغانا من الجنوب، وساحل العاج من الجنوب الغربي. وتعتمد في اقتصادها على الزراعة.
كانت هذه البلاد تحمل في الماضي اسم ( جمهورية فولتا العليا )، وفي عام 1984 قام رئيسها آنذاك
” توماس سانكارا ” بتغيير اسمها ليصبح ” بوركينا فاسو “، والذي يعني بلغة البلاد “الناس الطاهرين”.
وقد خضعت في الماضي البعيد لاستعمار عدة امبراطوريات، وأخيرا ضُمت إلى ” السنغال العليا ” تحت الاستعمار الفرنسي عام 1896، إلى أن حصلت على استقلالها عام 1960، وهي اليوم عضو في الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
في عام 1987 استولى ” بليز كومباوري ” على السلطة بانقلاب دعمته فرنسا، فأطاح بصديقه وحليفه القديم ” سانكارا ” والذي قُتل في الانقلاب. ثم تعرضت البلاد إلى عدة انقلابات كان آخرها في عام 2022 وسط تفاقم أزمة أمنية سببتها الجماعات المتطرفة في الشمال والشرق، مع تفشي الفساد واختلاس ميزانية الدفاع من قبل القيادة العليا، بينما كانت القوات المسلحة تعاني من نقص الموارد.
تولى الحكم ” الكابتن إبراهيم تراوري ” عبر انقلاب عسكري في 30 سبتمبر 2023، وذلك بعد الإطاحة برئيس الجمهورية ” الكولونيل بول هنري سانداو ” مستغلا استياء الضباط لشباب، الذين تأثروا بإرث ( توماس سانكارا ) الزعيم الثوري السابق في الثمانينات. فتمكن الجيش من السيطرة على مؤسسات الدولة، تحت قيادة الكابتن إبراهيم، الذي كان يبلغ من العمر في حينه 34 عاما.
وفي أول تصريح له بعد نجاح الانقلاب قال : ” إن زمن عبودية افريقيا للأنظمة الغربية انتهى، وبدأت معركة الاستقلال التامّ . . إما الوطن أو الموت “.
وفي غضون سنتين من حكمه وتحت حماية ” الجيش التطوعي من الشباب ” الذين كانوا يتناوبون على حراسة قصره من تلقاء أنفسهم، أفشلوا عشر محاولات انقلابية. إذ أصبح إبراهيم تراوري رمزا للثبات والصمود، باعتباره المنقذ لبلاده وفي عموم أفريقيا.
وخلال زيارته لجمهورية النيجر خلال تنصيب الرئيس الغاني الجديد ” جون دراماني ما هاما ” استقبل تراوري استقبالا شعبيا على امتداد الطريق الطويل، من المطار إلى القصر الجمهوري.
أما خطابه في القمة الإفريقية / الروسية، فقد وصف عالميا بأنه خطاب قطع العلاقة مع الاستعمار، وفتح الباب لنهج جديد يمثل تطلعات جيله. حتى أن الصحافة الروسية أطلقت عليه لقب : ” نجم القمة “.
واليوم يسعى تراوري إلى تحقيق ما بدا مستحيلا في الماضي وهو : ” تحويل بوركينا فاسو ” إلى نموذج للاستقلال والسيادة، وينظر إليه الملايين من شعبه، على أنه الزعيم الذي قد يحقق احلامهم، حيث ركز في خطته الإصلاحية، على ثلاث مجالات، أحدثت نقلة نوعية في نهضة بلده الافريقي :
ففي مجال الزراعة : قدّر الرئيس الجديد أهمية الزراعة، في تحقيق السيادة الاقتصادية والقضاء على الفقر في بلاده، مسترشدا بإرث سلفه الزعيم الأسطوري ” توماس سانكارا ” الذي كان يؤكد على أن ” الغذاء هو مفتاح الحرية والاستقلال “، فكان يقول : ” من يطعمك يسيطر عليك “.
فترجم تراوري هذه العبارة عمليا، في اتفاقيته مع روسيا عام 2023، إذ لم تكن الاتفاقية شراكة تقليدية، بل تضمنت تزويد بلاده بمحطات طاقة نووية مصغرة، تستخدم في إنتاج الأسمدة، تطوير بذور الحبوب، وتحسين تقنيات الزراعة.
وبالتوازي مع المشروع النووي الزراعي، أطلق تراوري سلسلة من المبادرات لدعم المزارعين، حيث وزّع عليهم : 400 جرار زراعي، 953 دراجة نارية، 710 مضخة مياه آلية، 68 ألف طن من الأسمدة، بالإضافة إلى توفير 10 آلاف طن من أغذية الأسماك، ومئات الآلاف من المنتجات الزراعية الأخرى.
وفي خطوة تعكس رؤيته الطموحة للاكتفاء الذاتي والتنمية الاقتصادية، أطلق الرئيس تراوري مشروعا فريدا في شهر أغسطس 2024، تمثل في إنشاء مصنعا لمعالجة الطماطم ( البندورة ) بقيمة 8 ملايين دولار، وهو الأول من نوعه في البلاد، بعد أن كان يُهدر 30 % من المحصول، بسبب عدم توفر مرافق التخزين، والاعتماد على المنتجات المستوردة.
ثم أنشأ مصنعا مماثلا آخر بقيمة 7.6 مليون دولار، بعد أن لاقى المصنع الأول إشادة من المزارعين والمواطنين. ونتيجة لذلك ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 18 % إلى 31 % خلال عامين فقط.
واليوم يعمل تراوري، على رفع نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي إلى 50 %، مما يعزز قدرات البلاد في القضاء على المجاعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي. فإصرار تراوري على إحداث ثورة زراعية في بلاده، يثبت أن النهضة الحقيقية تبدأ من الأرض، ومن تمكين المزارعين، من استغلال الموارد الطبيعية في البلاد بكفاءة، لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
في مجال الاستثمار بالذهب : علّق الرئيس تراوري تصدير الذهب في سابقة تاريخية في فبراير 2024، مرفقة بإلغاء اتفاقيات استثمارية متعددة، وتأميم مناجم الذهب، والاستحواذ على منجمي ذهب آخرين، من شركات أجنبية. ونجح في إنهاء الخلاف القانوني مع شركة كندية بمبلغ 80 مليون دولار، بعد أن كانت الشركة تطالب ب 300 مليون دولار.
وافتتح لاحقا منجما للذهب فائق الحداثة في عام 2023، مع وقف تصدير الذهب الخام إلى أوروبا. ثم أنشأ أول مصفاة للذهب في البلاد. فكانت النتائج مبهرة لهذه الإجراءات، إذ بلغ ناتج الذهب 93 طنا مقارنة ب 23 طنا فقط عام 2023. أما مصنع التكرير الجديد فيتوقع أن ينتج 150 طنا سنويا بنسبة نقاء 99.99 % ما يعادل 400 كجم يوميا، وهو إنجاز يعزز مكانة بوركينا فاسو، كواحدة من أبرز الدول المنتجة للذهب في افريقيا.
في مجال تطور الصناعات الصغيرة : فقد تم تأسيس أول مركز وطني لدعم ومعالجة القطن الحرفي، إلى جانب إطلاق بنك البريد، برأس مال قدره حوالي 25 مليون دولار، وإنشاء بنك ودائع في الخزانة، إضافة لمصنعي الطماطم سالفي الذكر، وإطلاق مصنع قطن ثانٍ، ومصنع للملابس العسكرية. وتم تطوير مشاريع مجتمعية لتعزيز ريادة الأعمال، واستعيدت 70 % من الأراضي المحتلة من قبل المنظمات الإرهابية، وأعيد أكثر من مليون نازح إلى موطنهم، وتم تحديث البنية التحتية للطرق، وبناء مطار جديد.
كل ذلك حدث مع إنهاء كامل للوجود الفرنسي، على المستويات العسكرية والإعلامية والسياسية. وشهد الناتج المحلي الإجمالي قفزة من 18. 83 مليار دولار في عام 2022 إلى 22.42 مليار بحلول أوائل عام 2025. كما ارتفع نصيب الفرد من الدخل القومي من 900 دولار عام 2022 ‘إلى 1200 دولار في عام 2025، مع توقعات وصول القوة الشرائية للفرد إلى 2726 دولار مع نهاية عام 2026 حسب توقعات البنك الدولي.
وهكذا أصبح إبراهيم تراوري رمزا للأمل في القارة الإفريقية. لكونه أصبح يجسّد روح التحدي ضد الاستعمار الجديد، وإعادة صياغة السلطة في جمهورية بوركينا فاسو، واحياء نهضتها في مختلف المجالات. وكان عامان من حكم تراوري ليس فترة زمنية عابرة، بل لحظة فارقة أعادت رسم خريطة القيادة في افريقيا، وجعلت من بوركينا فاسو، دولة قادرة على استعادة سيادتها، وتحدي الهيمنة الدولية.
الكابتن إبراهيم تراوري لم يكن نجماً اقتصادياً، ولم يحضر مؤتمرات اقتصادية عالمية، ولم يقدّم خططا تنموية وهمية، أو خطبا زائفة على شاشات التلفزيون. بل ترجم خططه عملياً في استغلال ثروات البلاد، التي أسهمت في النهضة الشاملة، ورفع مستوى معيشة المواطنين في بلاده.
وهكذا أصبح الكابتن ( النقيب ) إبراهيم تراوري، رمزا للأمل في القارة الإفريقية، باعتباره يجسّد روح التحدي ضد الاستعمار الجديد، وإعادة صياغة السلطة في جمهورية بوركينا فاسو، واحياء نهضتها في مختلف المجالات.
عامان من حكم ( النقيب) تراوري ليستا فترة زمنية عابرة، بل لحظة فارقة . . أعادت رسم خريطة القيادة الرشيدة في افريقيا، وجعلت من بوركينا فاسو، دولة قادرة على استعادة سيادتها، وتحدي الهيمنة الدولية.
فهل يمكن لمن يعتبرون أنفسهم جهابذة الاقتصاد في بلادنا، الاقتداء بهذه التجربة النهضوية، التي قام بها النقيب إبراهيم تراوري، أم على العقول والقلوب أقفالها ؟ ؟ ؟
التاريخ : 29 / 3 / 2026
هذا المحتوى إبراهيم تراوري باعث نهضة بوركينا فاسو . . ! ظهر أولاً في سواليف.
