إبادة الذاكرة: غزة تواجه محاولات اجتثاث حضارة 5000 عام وتدمير 90% من معالمها الأثرية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
لم تكن غزة يوماً مجرد مدينة عابرة في سجلات التاريخ، بل هي محطة إستراتيجية صاغها موقعها الاستثنائي كجسر يربط بين أفريقيا وآسيا منذ أكثر من 5000 عام. هذه المدينة التي كانت محاطة بسور شاهق يرتفع 30 متراً وتتوزع عليه ثماني بوابات، شهدت تعاقب الحضارات التي تركت كل منها بصمتها في طبقات العمران والذاكرة. رغم أن غزة دُمرت نحو 46 مرة عبر تاريخها الطويل، إلا أنها كانت تعيد بناء نفسها في كل مرة، لكن الإبادة الحالية تختلف جذرياً عن سابقاتها. يرى مؤرخون ومسؤولون أن الاستهداف الحالي لا يطال الحجر فقط، بل يسعى لاجتثاث الذاكرة الفلسطينية وسردية المكان الممتدة عبر آلاف السنين بشكل ممنهج. أفادت مصادر رسمية بأن الاحتلال الإسرائيلي تعمد تدمير المعالم الثقافية، حيث طال القصف المسجد العمري وقصر الباشا التاريخي في قلب مدينة غزة. هذا التدمير يمثل محاولة لقطع الصلة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وتغييب الشواهد المادية التي تثبت تجذره في هذه الجغرافيا منذ العصور القديمة. دخل المشهد الثقافي في غزة حالة من الحصار المركب منذ عقود، حيث تم تقييد حركة الفنانين ومنع إدخال الكتب وملاحقة الأدباء. واضطر العديد من الكتاب إلى استخدام أسماء مستعارة لمواصلة نتاجهم الإبداعي تحت وطأة الملاحقة، مما جعل العمل الثقافي جزءاً أصيلاً من معركة الوجود والهوية. أكد حمودة الدهدار، مدير دائرة المواقع الأثرية أن المسح الميداني كشف عن تدمير أكثر من 90% من المواقع والبيوت الأثرية البالغة 283 موقعاً. وأوضح أن الاستهداف شمل مباني تعود للفترات المملوكية والأيوبية والعثمانية، مما أدى إلى ضياع إرث معماري لا يمكن تعويضه بأي ثمن. تعرض متحف قصر الباشا لعملية نهب واسعة، حيث فُقدت أكثر من 17 ألف قطعة أثرية كانت تجسد تاريخ القطاع عبر العصور. ومن بين المفقودات والمخطوطات التي تعرضت للإتلاف مزامير داود ونسخة عثمانية نادرة من القرآن الكريم، مما يشير إلى رغبة في محو التعددية الثقافية للمدينة. في ظل القصف المستمر، تشكلت فرق تطوعية صغيرة حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تحت الركام بأبسط الإمكانيات المتاحة. وعمل هؤلاء المتطوعون على توثيق الدمار وحماية أجزاء من سوق قيسارية الأثري، في محاولة يائسة للحفاظ على بقايا الذاكرة العمرانية قبل تلاشيها تماماً. ما جرى لم يكن دماراً عرضياً، بل استهدافاً متعمداً لطبقات الهوية الفلسطينية واجتثاثاً لسردية الم...




