عينتاب وإربد: مدينتان متشابهتان ومساران مختلفان
•في كل مرة يُطرح فيها مشروع تنموي كبير لمدينة إربد، يخرج من يعتبره حلمًا مستحيلًا أو رفاهية لا تحتملها الإمكانات المتاحة.
•وما إن يُذكر مشروع مثل مترو الأنفاق أو القطار الحضري حتى تبدأ موجة من السخرية والتشكيك، وكأن قدر هذه المدينة أن تبقى أسيرة الحلول المؤقتة والمشاريع الخدمية التقليدية.
•لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل المشكلة في الفكرة نفسها أم في محدودية الخيال السياسي والتنموي لدى من اعتادوا النظر إلى البلدية باعتبارها مؤسسة لجمع النفايات وتعبيد الشوارع فقط؟ إربد لي...
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب - د. معن علي المقابلة.
في كل مرة يُطرح فيها مشروع تنموي كبير لمدينة إربد، يخرج من يعتبره حلمًا مستحيلًا أو رفاهية لا تحتملها الإمكانات المتاحة. وما إن يُذكر مشروع مثل مترو الأنفاق أو القطار الحضري حتى تبدأ موجة من السخرية والتشكيك، وكأن قدر هذه المدينة أن تبقى أسيرة الحلول المؤقتة والمشاريع الخدمية التقليدية.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل المشكلة في الفكرة نفسها أم في محدودية الخيال السياسي والتنموي لدى من اعتادوا النظر إلى البلدية باعتبارها مؤسسة لجمع النفايات وتعبيد الشوارع فقط؟
إربد ليست مدينة صغيرة، بل هي العاصمة الاقتصادية والتعليمية لشمال الأردن، وتضم أكثر من مئة ألف طالب جامعي يتنقلون يوميًا بين الجامعات والمستشفيات والأحياء السكنية ومراكز العمل. هذا الرقم وحده كفيل بجعل قضية النقل العام أولوية استراتيجية وليست مجرد خدمة ثانوية. فالمدينة تعاني من ازدحام متزايد، واستهلاك مرتفع للوقود، وضغط مستمر على البنية التحتية، وهي تحديات لن تُحل بتوسعة شارع هنا أو إنشاء دوار هناك.
من هنا تأتي أهمية التفكير في مشروع نقل حضري متكامل، سواء كان مترو أنفاق أو قطارًا خفيفًا أو نظام ترام حديثًا يربط أهم مراكز الحركة في المدينة عبر شبكة تصل إلى عشر محطات أو أكثر. ويمكن لهذا المسار أن يربط جامعة العلوم والتكنولوجيا ومستشفى الملك المؤسس ووسط المدينة ومجمعات النقل الرئيسية والمناطق السكنية ذات الكثافة المرتفعة، بما يضمن حركة أكثر كفاءة للطلاب والموظفين والمواطنين.
ولعل ما طرحه سابقًا الدكتور نبيل الكوفحي من فكرة إنشاء قطار يربط مستشفى الملك المؤسس بجامعة العلوم والتكنولوجيا كان مثالًا على التفكير خارج الصندوق، إلا أن مثل هذه الرؤى غالبًا ما تصطدم بعقلية إدارية لا تزال ترى أن دور البلدية ينتهي عند حدود الخدمات اليومية. والحقيقة أن المدن الناجحة لا تُدار بمنطق إدارة الأزمات، بل بمنطق صناعة المستقبل.
وعندما نبحث عن نماذج للمقارنة، فإن مدينة عينتاب التركية تبدو مثالًا منطقيًا وواقعيًا. وليس الأمر مجرد تشابه في الحجم أو الدور الاقتصادي والتعليمي، بل إن المقارنة تكتسب أهمية إضافية بسبب وجود اتفاقية توأمة تجمع بين إربد وعينتاب. فالتوأمة بين المدن لا ينبغي أن تقتصر على الزيارات البروتوكولية وتبادل الدروع التذكارية، بل يفترض أن تكون وسيلة لتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب التنموية الناجحة.
وعينتاب، التي تشبه إربد في كثير من خصائصها الحضرية والديموغرافية، اختارت الاستثمار في البنية التحتية للنقل العام بوصفها ركيزة للتنمية الاقتصادية. ولم تنتظر أن تصبح مدينة عالمية بحجم إسطنبول، بل بدأت بحلول عملية ومدروسة، كان من بينها تشغيل قطارات مستعملة بحالة جيدة تم استقدامها من ألمانيا وإعادة تأهيلها، ما خفّض الكلفة وسرّع التنفيذ وحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
هذه التجربة تثبت أن القضية ليست مرتبطة بحجم الموارد بقدر ارتباطها بوجود رؤية واضحة وإدارة تؤمن بالتخطيط طويل الأمد. فإذا كانت مدينة ترتبط معنا بعلاقة توأمة استطاعت أن تحوّل النقل العام إلى أداة للنمو الاقتصادي والتنمية الحضرية، فلماذا لا نستفيد من تجربتها؟ وما الفائدة من اتفاقيات التوأمة إذا لم تُترجم إلى أفكار ومشاريع وسياسات يمكن أن تنهض بمدننا؟
أما التمويل، الذي يُستخدم غالبًا كحجة لإغلاق النقاش قبل أن يبدأ، فلم يعد العقبة الكبرى في عالم اليوم. فهناك عشرات النماذج الناجحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث تتولى الشركات الاستثمارية تمويل مشاريع البنية التحتية وتشغيلها مقابل عوائد مستقبلية. كما توجد مؤسسات وصناديق تنموية دولية تمول مشاريع النقل المستدام لما لها من آثار اقتصادية وبيئية إيجابية.
المؤسف أن بعض الناس ما زالوا يعتبرون تنظيف شارع أو إعادة تعبيده إنجازًا استثنائيًا يستحق الإشادة والتصفيق. لا أحد ينكر أهمية هذه الخدمات، لكنها تبقى واجبات أساسية تقوم بها أي بلدية في العالم. الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الحفر التي تم ردمها، بل بعدد فرص العمل التي تم خلقها، والاستثمارات التي تم جذبها، والمشاريع التي غيرت حياة الناس ورفعت مستوى مدينتهم.
إن مستقبل إربد لا يجب أن يُختزل في إدارة النفايات وصيانة الأرصفة، بل في امتلاك رؤية تنموية تليق بمدينة تضم هذا الحجم من السكان والطلاب والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية. فالمدن لا تتقدم بالصدفة، ولا تُبنى بالاكتفاء بمعالجة مشكلات اليوم فقط، وإنما بالتخطيط لما ستكون عليه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إربد أن تُفرز رئيس بلدية يحمل أفكارًا خارج الصندوق، وينظر إلى المدينة بوصفها مشروعًا تنمويًا متكاملًا لا مجرد مؤسسة خدمية؟ وقبل ذلك، هل يجرؤ أي مرشح في الانتخابات المقبلة على طرح برنامج طموح يتبنى مشروعًا بحجم مشروع النقل الحضري الذي شهدته عينتاب، أو أي مشروع استراتيجي قادر على تغيير وجه المدينة خلال العقود القادمة؟ فالمشكلة ليست في غياب الأفكار بقدر ما هي في غياب الجرأة على طرحها، والإرادة السياسية والإدارية لتحويلها من مجرد أحلام على الورق إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالمدن العظيمة لم تُبنَ على أيدي من اكتفوا بإدارة الحاضر، بل على أيدي من امتلكوا الشجاعة لتخيّل المستقبل والعمل من أجله.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل تحتاج إربد إلى مشروع نقل حضري متطور؟ بل: كم ستخسر المدينة إذا استمرت سنوات طويلة دون أن تمتلك الجرأة على التفكير بمثل هذه المشاريع؟
فبين نموذج عينتاب الذي استثمر في المستقبل، وعقلية الاكتفاء بترقيع الشوارع، تقف إربد اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: أن تكون مدينة تصنع مستقبلها، أو مدينة تكتفي بإدارة واقعها.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





