عصر الوفرة الذي صنع إنسانًا قلقًا
الصحوة – أسماء المحروقية
في زمن يشهد فيه العالم أجمع انتعاشة ثقافية، واقتصادية واستهلاكية لم يشهدها من قبل، حيث الوفرة والتنوع في شتى مجالات الحياة، إذ أصبح كل شيء متاحا بسهولة إلا أن الطمأنينة باتت أبعد من أي وقت مضى، رغم أن الوصول إلى المعرفة بات ليس صعبا ولا الحصول على السلعة مرهقا إلا أن شعور القلق لا يطابق هذا الوضع وكأننا نعيش عصر نقص لا وفرة.
وهناك إحصائية نشرتها منظمة الصحة العالمية (World Health Organization) أن 359 مليون شخص حول العالم يعانون من اضطرابات القلق في عصر نشهد فيه طفرة معرفية واقتصادية، ومن هنا نطلق سؤالا هاما: هل صنعت الوفرة إنسانا أكثر سعادة أم أنها خلقت قلقا مختلفا لم يعهده الإنسان قبل هذا الوقت؟
وفرة المعلومات صنعت قلق المعرفة
وفرة المعلومات أو ما يطلق عليه ب “تضخم المعلومات” مصطلح يشير إلى الكم الهائل من البيانات التي تعرض لها الفرد منا بشكل يومي، وهذا يرجع إلى التطورات المتسارعة في التكنولوجيا. وفي عصرنا الحالي بات زخم المعلومات يشكل تحديا يواجهه الأفراد والمجتمعات. وفي ظاهر الأمر أن ذلك مؤشرا إيجابيا فما المقلق جرّاء زخم المعلومات وتضخمها؟ الأمر أعمق وأبعد من هذا المنظور السطحي؛ فتضخم المعلومات التي يحصل عليه الفرد من مختلف الوسائل يصل به إلى (الحمل المعرفي)، هذا المصطلح الذي طوره عالم النفس التربوي (جون سويلر) والذي يعني تفوق المعرفة التي يمكن معالجتها في فترة زمنية محددة استيعاب الذهن. حيث إن الدماغ يصعب عليه استيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات وتنظيمها، فيؤدي إلى التشتت والقلق. وتشير الكثير من الدراسات الطبية إلى أن (تضخم المعلومات) تضعف القدرة على التركيز. فالموضوع يسبب ضررا بقدر نفعه. وقد أشار (ماير) إلى ضرورة إزالة المعلومات غير الضرورية أو الزائدة لأنها تشتت الانتباه، وتزيد الضغط المعرفي، ولكن السؤال المطروح هُنا كيف نستطيع إدارة الفائض من المعلومات لنتحاشى الحمل المعرفي؟
في هذا السياق، تبرز مهارة إدارة الفائض المعلوماتي بوصفها مهارة معرفية، تتعدى الاستهلاك السلبي للمحتوى المتلقَّى إلى بناء منظم وواعي قائما على الانتقاء ويكمن ذلك في طرق نتتبعها في نقاط:
1. الانتقاء الواعي للمصادر التي تتلقى منها المعلومات. وهي أهم الطرق إذ إن تحديد مصادر معينة وموثوقة لتلقي المعلومة يبعدك عن التيه في معمعة المصادر المختلفة.
2. تنظيم المعلومات، أي بربطها وتحليلها.
3. إدارة الانتباه عن طريق تقليل المشتتات الرقمية وتخصيص أوقاتا محددة للاستهلاك.
4. البعد القيمي في التعامل مع المعرفة، أي أننا لا نكتفي بسؤال: كم نعرف؟ بل لماذا نعرف. هذا التوجه يقلل العشوائية للاستهلاك المعلوماتي.
وفرة الاستهلاك وصناعة عدم الرضا
منذ القرن الثامن عشر وقد ظهرت ثقافة الاستهلاك كما يرى “ماكندريك”. وفي عصر (الميديا)، والإعلانات، والتجارة، والتسويق توسعت دائرة هذه الثقافة بشكل هائل، فقد أصبح الإنسان يميل إلى الاستهلاك في اللبس والطعام أكثر من القرون الماضية التي كان يعتد فيها كثيرا على الإنتاج. وتتوسع هذه الدائرة إلى أن أصبحنا نتلقى حتى الطعام الجاهز والمعلب في الأسواق بطريقة مختلفة عما كنا نجده عليه مثل: صندوق الشواء محضر المكونات، والذرة وغيرها الكثير. ومن جانب الموضة والأزياء نلحظ طفرة استهلاكية؛ إذ تعدت إلى ربط المكانة بامتلاك شيء معيّن، الأمر الذي يولد الرغبة في الحصول المستمر عليه، والمخزي في هذه العجلة أننا وصلنا لمرحلة (تسليع الذات) بقدر ما تملكه من ماديات. ناهيكم أن ما كان كماليا بات أساسا!
وهنا تقوم الإعلانات بتأثير قوي إذ جعلت الناس تحت ضغط العالم الوردي والمثالي من خلال الترويج الذي جعل الإنسان مهووسا بالمتعة والصورة الافتراضية التي يراها.
والحقيقة المؤلمة أن ثقافة الاستهلاك تمثل أزمة في ترسيخ المتعة ومصادرها والكيفيات التي يجب أن تكون عليه، إذ تفدم أنموذجا مثاليا ونمطيا حتى أصبح الإنسان في قلق مستمر بين: كيف يحافظ على هذه الدائرة النموذجية، وكيف يَظهر خارجا عنها إن لم يستطع البقاء فيها بعيدا عن قناعاته ومبادئه، ولسنا في حاجة إلى التأكيد أن التأثر بالغرب في ذلك بات متشربا أجسادنا حتى أصبحنا لا نستطيع التحرر منه في وسط دائرة نموذجية ونمطية قررها المجتمع وحوصِر فيها الناس.
ويقول الاقتصادي Richard Easterlin أنه لاحظ في دراسة له: الأفراد في الدول الغنية لا يكونون بالضرورة أكثر سعادة من الأفراد في الدول البسيطة، وأن زيادة دخل الأفراد قد تفشل في تحقيق الشعور بالرضا وهذا يدعم الفرضية التي تقوم على أن المزيد من الموارد لا يعني بالضرورة حياة أفضل. وتدعم الفكرة أيضا تقارير OECD التي تشير إلى أن مؤشرات جودة الحياة لا ترتبط بالدخل فقط، بل بعوامل مثل الصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، والتوازن بين العمل والحياة. وهذا يعني أن الاقتصادات ذات الوفرة العالية قد تُنتج أفرادًا أكثر عرضة للتوتر إذا غابت هذه العوامل غير المادية.
وضمن الإطار العام لموضوع الاستهلاك وصناعة عدم الرضا يتضح أن الاستهلاك ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو بنية ثقافية ونفسية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. ومن ثم؛ فإن تجاوز حالة القلق لا يتطلب تقليل الاستهلاك فحسب، بل إعادة تعريف قيمته ووظيفته في حياة الإنسان، بما يعيد التوازن بين الامتلاك والرضا.
البعد النفسي والفلسفي
إن طبيعة الإنسان وقدراته لا يؤهلانه ليتعامل مع آلاف الخيارات ومعلومات متدفقة بلا توقف ودوامة من المقارنات الاجتماعية التي تشعره بأنه في حلبة تنافس مستمر، كل هذا من شأنه رفع القلق والضغط النفسي وكأنه يعيش في صراع، هذا الصراع ذو ضربين: صراع بين الإنسان ونفسه، يدور حول القناعات والمبادئ والرضا. وصراع آخر بينه وبين المجتمع في محاولة إثبات وجوده في الدائرة النمطية والمعيارية التي خلقها المجتمع وأرهقت أفراده في صرخة يناديها: أين أنا وسط هذه المعمعة والحلقات النمطية!
فقد كان سؤال الإنسان القديم: كيف نحصل على الأساس وهل يكفينا؟ أما الإنسان اليوم أصبح سؤاله: كيف نعيش بسلام وسط الوفرة المتاحة؟ فالمفارقة في أن القديم كان قلقه من البقاء، بينما الإنسان اليوم قلقه من الوفرة الخارجية التي ترجع إلى المعنى، الهوية، المستقبل، المقارنة.. وبمعنى آخر فإن الإنسان القديم يملك المعنى الفعلي للحياة ويفتقر للراحة بينما اليوم يمتلك الراحة ويفتقر للمعنى الحقيقي للحياة.
كيف ينبغي أن نعيش اليوم؟
بين كل هذه التعقيدات وتسارع وتيرة الحياة تبرز فكرة تناقش في سؤال هام: كيف ينبغي أن يعيش الإنسان اليوم؟ هل يتقبل الواقع وما فيه من قلق وضغوط، أم يحاول تغييره؟
إن تقبل الواقع لا يعني الاستسلام له، بل هو وعي وفهم لحدود هذا الواقع، تساعد الإنسان على التكيف معه، والتماهي مع تغييراته بطريقة إيجابية، شريطة ألاّ يقف عند حدّ الاكتفاء الذي قد يحوله إلى كائن سلبي، بل يحاول تقديم الرغبة بالتطوير، إذ إن هذا السعي والمبادرة للتغيير يعكس روح الإرادة عنده وهذا لن يتأتى إلا بالحكمة. لذلك فإن العيش المتوازن يقوم على أمرين الأول منهما تقبل ما لا نقدر على تغييره، وثانيهما تطوير وإصلاح ما يمكن تطويره في محاولة لتحويل هذا القلق من ثقل إلى دافع، ومن عائق إلى محفّز.
وختامًا، نصل إلى أن المعضلة اليوم ليست في قلة ما نملك، بل في كثرة ما نطلب أن نملكه وبالتالي نحتاج إلى تغيير أنفسنا ومفاهيمنا من الداخل حتى نتكيف مع عالمنا في الخارج، وأن القلق طبيعي وبديهي إلا أن تقبل العيش معه هو الأمر غير الطبيعي. وكما يقول غاندي: “بصفتنا بشرًا، لا تكمن عظمتنا في قدرتنا على إعادة تشكيل العالم – فهذه أسطورة العصر الذري – بقدر ما تكمن في قدرتنا على إعادة تشكيل أنفسنا.”





