... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
130773 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 10776 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

عسكرة الغرب

العالم
هسبريس
2026/04/07 - 20:17 501 مشاهدة

دخل قانون ألماني جديد حيّز التنفيذ مطلع عام 2026، يفرض على الرجال بين 17 و45 عاماً الحصول على موافقة مسبقة من الجيش قبل مغادرة البلاد إذا تجاوزت مدة الإقامة في الخارج ثلاثة أشهر، وتقول وزارة الدفاع إن الهدف ضبط بيانات المكلفين بالخدمة وتعزيز الجاهزية في حالات الطوارئ، غير أن النص فجّر جدلاً واسعاً لأنه يضع حرية التنقل تحت إشراف عسكري مباشر في زمن السلم.

الصيغة الإجرائية توحي بالمرونة، إذ لا يتضمن القانون حظراً صريحاً على السفر ولا عقوبات فورية، كما تشير التصريحات الرسمية إلى أن الموافقات تُمنح غالباً، غير أن الإشكال لا يرتبط بالتطبيق بقدر ما يرتبط بالمبدأ، أي إخضاع حق فردي أساسي لإذن صادر عن مؤسسة عسكرية، وهو تحول ثقيل في دولة تأسست تجربتها الحديثة على تحييد الجيش عن المجال المدني.

المسألة تتجاوز حدود إجراء إداري، لأن المنطق الذي يحكم النص يفترض أن المواطن جزء من احتياط بشري يجب تتبعه مسبقاً، وهو ما ينقل مركز الثقل من فكرة الحقوق إلى فكرة الجاهزية، ومن الثقة إلى الرقابة، في صيغة قانونية تبدو منضبطة لكنها تحمل أثراً سياسياً عميقاً.

السياق الأوروبي يفسر جانباً من هذا المسار، فالحرب في أوكرانيا منذ 2022 أعادت ترتيب أولويات القارة، ودفعت الحكومات إلى رفع الإنفاق العسكري وتعزيز قدرات الردع، كما أن التوتر مع روسيا وتزايد الشكوك حول استمرارية الالتزام الأميركي بأمن أوروبا دفعا دولاً محورية، وفي مقدمتها ألمانيا، إلى تبني مقاربة أكثر استقلالاً في بناء القوة العسكرية.

لكن بناء القوة لا يتوقف عند التسلح، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع ليكون قابلاً للتعبئة، وهنا يظهر القانون كجزء من منظومة أوسع تشمل قواعد بيانات دقيقة، واستبيانات إلزامية للشباب، وربط الحركة الفردية بإجراءات ذات طابع عسكري، بما يحوّل المواطن تدريجياً إلى عنصر داخل بنية تنظيمية تتقدم فيها الحسابات الأمنية.

ما يلفت الانتباه أن التحول يجري بهدوء، من دون قرارات صادمة أو إجراءات قسرية مباشرة، بل عبر خطوات متدرجة تقدم تحت عناوين تنظيمية، وهو ما يجعلها أقل إثارة للرفض الفوري، وأكثر قابلية للترسخ مع مرور الوقت، لأن الاعتياد يحل محل النقاش.

التجربة الأوروبية تحمل ذاكرة ثقيلة مع عسكرة المجتمع، وقد بُني النموذج السياسي بعد الحرب العالمية الثانية على تقليص دور المؤسسة العسكرية في الحياة العامة، وأي تراجع عن هذا المسار، حتى عبر أدوات قانونية، يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

في الحالة الألمانية، يكتسب الأمر حساسية إضافية، لأن تقليص حضور الجيش لم يكن خياراً سياسياً عابراً، بل جزءاً من هوية الدولة الحديثة، وعودة المؤسسة العسكرية إلى التأثير في تفاصيل الحياة اليومية، ولو بشكل غير مباشر، تعني أن التوازن الذي استقر لعقود بدأ يتغير.

الاحتجاجات التي شهدتها برلين تعكس إدراكاً أولياً لحجم التحول، إذ لم تقتصر على رفض بند قانوني محدد، بل عبّرت عن تخوف من مسار يتجه نحو توسيع صلاحيات الدولة الأمنية، حيث تتحول الإجراءات المؤقتة إلى قواعد مستقرة، ضمن نموذج يوصف أحياناً بالعسكرة الناعمة.

في المقابل، يواصل الخطاب الرسمي التأكيد على الطابع التنظيمي والإجرائي، مع التركيز على التفاصيل التقنية، غير أن هذا التركيز يترك السؤال الأهم خارج النقاش، وهو حدود تدخل المؤسسة العسكرية في حياة الأفراد في زمن لا يشهد حرباً مباشرة على الأراضي الألمانية.

التناقض يتسع بين القيم المعلنة والممارسة، إذ يستمر الدفاع عن نموذج ديمقراطي يقوم على الحريات، في وقت يتم فيه إدخال قيود جديدة عبر القوانين، وهو مسار لا يبدو معزولاً عن اتجاه أوسع داخل أوروبا، حيث تتقدم اعتبارات الأمن على حساب بعض مكتسبات المرحلة الليبرالية.

إذا استمر هذا الاتجاه، فإن أثره لن يبقى محصوراً في ألمانيا، لأن السياسات الأمنية تنتقل بسرعة داخل الفضاء الأوروبي، خاصة حين تُقدَّم كاستجابة ضرورية لبيئة دولية مضطربة، وهو ما قد يؤدي إلى تعميم تدريجي لنمط من التشريعات يغيّر شكل العلاقة بين المواطن والدولة.

ويبدو أن ما يجري يتجاوز حدود قانون واحد، ليعكس تحولاً أعمق في ترتيب الأولويات داخل الدول الغربية، حيث يتقدم الأمن بوصفه معياراً موجهاً للسياسات العامة، وتتراجع أمامه مساحات من الحرية كانت تُعد ثابتة، وهو تحول يتشكل ببطء، لكنه يحمل آثاراً بعيدة المدى على طبيعة الدولة الحديثة.

The post عسكرة الغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤