عودة إلى ما قبل 2 آذار مع تعديلات... والحزب يهدّد بالرد
لم يكن تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن لإسرائيل "الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت" تفصيلاً عابراً في قاموس الديبلوماسية. في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بدا هذا الموقف أقرب إلى إعادة تعريف فعلية لوقف النار نفسه: هدنةٌ قائمة، نعم، لكنها محاطة باستثناء دائم يهددها من الداخل.
العبارة الأميركية المفتاحية "في أي وقت"، تتجاوز الدعم السياسي التقليدي لتكرّس عملياً حقاً مفتوحاً لإسرائيل في التحرّك العسكري، ليس فقط ردّاً على هجمات قائمة، بل أيضاً على تهديدات "مخطط لها أو وشيكة". وبهذا المعنى، يتحوّل وقف إطلاق النار من اتفاق يفترض أن يقيّد العمليات، إلى إطار مرن يسمح بتجاوزها تحت عنوان "الدفاع عن النفس".
هذا التوصيف ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية الأوسع: تثبيت واقع أمني جديد في جنوب لبنان، يقوم على منع إعادة تسلّح "حزب الله"، وإبقاء القدرة على تنفيذ ضربات استباقية عند الضرورة. عملياً، نحن أمام تكريس "منطقة أمنية" غير معلنة، تُدار بالنار المضبوطة لا بالتهدئة الكاملة، وهي هذه المرة أكبر وأوسع بكثير، تصل إلى حدود 20 كيلومترا ضمن الأراضي اللبنانية.
إلى ذلك، فإن استمرار سيطرة الجيش الاسرائيلي على بعض القرى، يعني حكما مزيدا من الدمار والتفجير وضرب البنى التحتية، وأيّ تدخل في الأمر يعدّ خطرا وشيكا على القوات الإسرائيلية يحق لها التعامل معه.
وفي موازاة هذا المسار، يبرز تطور لا يقل أهمية: مؤشرات متزايدة من داخل بيئة "حزب الله" والمقرّبين منه، تفيد بالتنصّل التدريجي من التقيد الكامل بالاتفاق، على قاعدة أنه وُقّع مع الدولة اللبنانية لا مع الحزب. هذه المقاربة تفتح الباب أمام معادلة مغايرة: الحزب غير مقيّد سياسياً بالاتفاق، وتاليا يحتفظ بحق الردّ المباشر على ما يراه خرقاً لوقف النار.
في هذا السياق، تُعاد قراءة العمليات الإسرائيلية من اغتيالات إلى ضربات خارج نطاق الانتشار العسكري للجيش الإسرائيلي على أنها انتهاك صريح للهدنة، لا إجراءات دفاعية. وبناءً عليه، يصبح الردّ عليها، وفق هذا المنطق، جزءاً من "تثبيت قواعد الاشتباك" لا خرقها.
هنا تتقاطع معادلتان متناقضتان وخطيرتان في آن واحد:
معادلة أميركية - إسرائيلية تعتبر "الدفاع عن النفس" استثناء دائما يتيح العمل العسكري في أي لحظة.
ومعادلة مقابلة لدى "حزب الله" ترى أن أي ضربة خارج سياق المواجهة المباشرة هي خرق يستوجب الرد.
بين هذين السقفَين، يصبح وقف إطلاق النار مجرّد عنوان هشّ، لا يضبط الإيقاع بقدر ما يؤجّل الانفجار.
صحيح أن المشهد لا يعيد الأمور حرفياً إلى ما قبل 2 آذار، حين كانت العمليات تُدار بهامش شبه مطلق، لكن الثابت أن ما يجري اليوم يقترب من نسخة معدّلة من تلك المرحلة: حرية عمل إسرائيلية مغطّاة أميركياً، في مقابل استعداد متزايد لدى الحزب لكسر القيود والردّ خارج الحسابات التقليدية.
الخلاصة التي ترتسم تدريجاً: الهدنة قائمة شكلياً، لكنها عملياً مفخّخة باستثناء دائم. ومع كل ضربة تُنفّذ تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، وكل ردّ يُبرَّر بأنه "حماية لقواعد الاشتباك"، يقترب الطرفان خطوة إضافية من لحظة سقوط هذا التوازن الهشّ والعودة إلى مواجهة مفتوحة، قد لا تشبه ما سبقها.





