عندما يصبح ثمن كبش العيد أكثر من راتب المعلم!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
يشعر المواطن في إقليم كوردستان بالإحباط والتذمر وفقدان الأمل من انحراف مسار العملية السياسية نحو الهاوية، ومن طريقة إدارة الإقليم من قبل الحزبين الحاكمين: الاتحاد الوطني الكوردستاني وغريمه التقليدي الديمقراطي الكوردستاني، وامتلاك كل منهما إدارته المستقلة، وقواته المسلحة الخاضعة بالكامل لسلطته الحزبية، وتأسيس كل منهما لعلاقات إقليمية ولخدمة أجندتها الحزبية بشكل مستقل. دخل إقليم كوردستان مرحلة الجمود السياسي منذ أكثر من عام ونصف، وتحديدًا منذ إجراء انتخابات برلمان كوردستان نهاية العام 2024، وللأسف ولحد هذه اللحظة فشلت كل الحوارات التي جرت على فترات متقطعة بين الإخوة الأعداء حول تشكيل الكابينة العاشرة لحكومة الإقليم، وتفعيل البرلمان كمرجع سياسي وقانوني، وأعلى سلطة تشريعية ورقابية في الإقليم. الخلافات الجديدة القديمة ينعكس الخلاف والصراع السياسي الحاد بين الحزبين اللذين يقتسمان إدارة الإقليم منذ آذار (مارس) 1991، على عمل البرلمان الذي عقد جلسته اليتيمة بتاريخ 2/12/2024، ثم توقفت أعماله بشكل كامل، والذي يعتبر خرقًا فاضحًا لنظامه الداخلي، نتيجة تفاقم الأزمات القديمة الجديدة بين الحزبين، بالرغم من المخاطر التي يواجه الإقليم، وتحديدًا مع اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد الجارة السيئة إيران، وفي ظل التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة، وفي العراق منها: التوترات الجيوسياسية الإقليمية والتي جعلت حدوده ساحة للصراعات والتدخلات الإقليمية، إلى جانب تعطيل البرلمان، وتفاقم المشاكل الاقتصادية والخدمية، والتحديات الأمنية المستمرة المتمثلة في الهجمات الإرهابية على المنشآت الحيوية بصواريخ وطائرات مسيّرة تابعة للجارة السيئة إيران وذيولها، والخلافات المالية بشأن عائدات المعابر الحدودية، حيث يؤكد نواب معارضون أن العائدات باتت تقسم وفق الرؤى الحزبية، خاصة مع غياب الموازنات الحكومية منذ العام 2015، حيث لم يناقش البرلمان الكوردستاني ملف العائدات والمصروفات منذ ذلك الحين، وكل هذه العقبات والمشاكل والصراعات أدت إلى تراجع ثقة المواطن في الحكومة ومؤسساتها وممثليها. الحنث باليمين البرلماني مرّ أكثر من 18 شهرًا بالتمام والكمال على إجراء انتخابات الدورة السادسة لبرلمان إقليم كوردستان ـ العراق من دون أن يعقد البرلمان أي جلسة فعلية، وبالرغم من تعطل البرلمان إلا أن أعضاءه يتسلمون رواتبهم وامتيازاتهم الشهرية، دون القيام بأي مهام أو أعمال أو واجبات رسمية! ويرى مراقبون أن أعضاء البرلمان خرقوا جميع بنود النظام الداخلي للبرلمان، وخاصة المادة 13 الفقرة الثالثة المتعلقة بأداء اليمين الدستوري. إن أبرز ما جاء في اليمين وحنث به أعضاء البرلمان هي فقرة أداء المهام والمسؤوليات القانونية بتفان وإخلاص، وهو لم يحدث من قِبل جميع الأعضاء. ويرى مراقبون أن الحنث باليمين الدستوري أو القانوني يؤدي إلى فقدان النائب للشرعية التي منحت له، ويُشكل سندًا قانونيًا للطعن في أهليته وإخلاصه وصدقه للاستمرار في تمثيل الشعب، ويرون أن إقليم كوردستان، بالرغم من أنه يتمتع بحكم شبه مستقل منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أنه ما زال بلا مؤسسات جامعة ومرجعية دستورية، ويعاني من تصدعات وانشقاقات سياسية داخلية خطيرة، وأيضًا أزمات مالية حادة، إلى جانب انقسام القوى النافذة في الإقليم في علاقاتها الداخلية والإقليمية والدولية. انتخابات مبكرة لكسر الجمود بين الإخوة الأعداء أسفرت الانتخابات الأخيرة عن حصول الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 39 مقعدًا، مقابل 23 مقعدًا للاتحاد الوطني الكوردستاني، إلى جانب 15 مقعدًا لحركة الجيل الجديد، إضافة إلى عدد من المقاعد المتفرقة لبقية الأحزاب، ما خلق معادلة سياسية معقدة وصعبة، خصوصًا مع تقارب عدد المقاعد بين الإخوة الأعداء. ومع استحكام الجمود السياسي، بدأ الديمقراطي الكوردستاني، والذي يدعي بأن نتائج الانتخابات تمنحه حق قيادة الحكومة المقبلة، بدأ يدرس خيارات عدة منها الدفع نحو تشكيل حكومة أغلبية سياسية، أو المضي نحو إجراء انتخابات مبكرة في حال استمرار حالة الانسداد السياسي، إلا أن الخيار الأخير يواجه عقبات عديدة، أبرزها رفض العديد من القوى السياسية إعادة الانتخابات، لإيمانهم بأنها لن تأتي بجديد وهي محاولة لتضييع الوقت لا أقل ولا أكثر، ويعتقدون بأن المشكلة الحقيقية تكمن في الصراع على النفوذ والإيرادات والمصالح الحزبية على حساب استقرار الإقليم ومستقبل شعبه. ومن الجدير بالذكر أن الأزمة السياسية في الإقليم تتزامن مع تحديات اقتصادية كبيرة، أبرزها تأخر صرف الرواتب، والخلافات المالية مع الحكومة الاتحادية. أخيرًا.. مرت الساحة السياسية في الإقليم في العقود الماضية بتحولات جذرية خطيرة، كان من أبرزها الاقتتال الداخلي بين الأحزاب الكوردية التقليدية، والتي حولتها من قوى وأحزاب فاعلة في بناء الإقليم إلى أحزاب عاجزة عن التفاعل مع متطلبات الشارع الكوردستاني والتحديات الوطنية، وبناء المؤسسات على أساس سليم للانتقال من العمل الحزبي والاجتهادات الفردية إلى نظام احترافي مستدام. وإن ما يحدث اليوم من الصراع بين الأحزاب هو امتداد لصراع قديم بين الإخوة الأعداء. إن صراع الأحزاب في الإقليم وفي هذا الوقت الحساس يفتح الباب من جديد على مصراعيه أمام إمكانية التدخل الدولي أو الإقليمي لإيجاد حلول ترقيعية وتسويات آنية، كما حصل في فترات سابقة سواء من قبل الدول الإقليمية وتحديدًا إيران وتركيا، أو الولايات المتحدة التي رعت من خلال وزيرة خارجيتها السابقة مادلين أولبرايت اتفاقية سلام لإنهاء الاقتتال الداخلي التي اندلعت في منتصف تسعينيات القرن الماضي بين الإخوة الأعداء، والتي عرفت باتفاقية واشنطن، ونصت على تقاسم السلطة وإيرادات النفط بشكل عادل بين الحزبين، ووقف دائم لإطلاق النار وإعادة فتح المؤسسات المشتركة، وتأسيس حكومة وبرلمان موحدين للإقليم، وبالرغم من أن الاتفاقية المذكورة أنهت الاقتتال المسلح الذي أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتشريد أعداد كبيرة من المدنيين، إلا أنه ترك انقسامات متأصلة سياسيًا وجغرافيًا، فكل طرف أنشأ أجزاء من الحكم والإدارة في مناطق نفوذه، ولا يزال الإقليم يشهد انقسامًا سياسيًا وإداريًا وواقعيًا تحت نظام الإدارتين، وعليه إن التجارب السابقة تؤكد أن أي تدخل خارجي لحل الخلافات بين أربيل والسليمانية قد يفضي إلى حل مؤقت وليس دائمًا، ما دام أصل الصراع يتركز حول إدارة الموارد، وتقاسم الإيرادات، واستحواذ المناصب الأمنية والسيادية بين الإخوة الأعداء. لا يمكن الحديث عن حل الأزمة السياسية في الإقليم دون التوقف عند الواقع المزري للأحزاب السياسية الكوردية، التي أصبحت عالة على الإقليم وشعبه بعد أن تحولت تلك الأحزاب وتحديدًا بعد انتفاضة آذار (مارس) 1991 من قوى تمثيل إلى أدوات صراع وفساد وفشل نتيجة مجموعة من العوامل الرئيسية منها: احتكار السلطة والقرار السياسي في يد قيادة مركزية ضيقة داخل الأحزاب السياسية الرئيسية، تكريس الزعامة الفردية، الغرور السياسي، الصراع على النفوذ والمناصب، التورط في الفساد، التحالف مع الدول الإقليمية من أجل المصالح الحزبية الضيقة، انعدام الديمقراطية، غياب التناوب في الحكم، ما أفقدها ثقة الشارع الكوردستاني ومشروعيتها الوطنية من جهة، وتسبب بتقسيم الإقليم إلى إقليمين كأمر واقع، والأحزاب إلى كيانات متناحرة. لا يمكن الحديث عن إقليم قوي يرتكز على مبدأ المواطنة الحقة يستحقه شعبه، ويليق بتضحياته في وجود هذه الأحزاب التي تضع مصالحها الحزبية فوق المصلحة الوطنية العليا. أختتم مقالي وأقول، عندما يصبح ثمن كبش العيد أكثر من راتب المعلم، فاعلم أنك في دولة تحترم خرفانها أكثر من معلميها، مع جل احترامي للمعلم الذي هو حجر الأساس في بناء الأجيال والأوطان، وصاحب الفضل الأكبر في غرس القيم ونقل المعرفة. تنص المادة 13 الفقرة الثالثة من النظام الداخلي لبرلمان إقليم كوردستان على ما يلي: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ على مصلحة شعب كوردستان ووحدة أرضه وشعبه وكرامة وحقوق وحريات المواطنين والمال العام وأن أنفذ مهام العضوية بصدق وإخلاص".



