عندما يصبح الترند أهم من الحقيقة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في السنوات الأخيرة، لم يعد السؤال المطروح في بعض المنصات الإعلامية والرقمية: "هل الخبر صحيح؟"، بل أصبح: "كم سيحصد من المشاهدات والتفاعلات؟" وهنا تبدأ الأزمة..
ففي خضم الجدل الذي رافق حفل البتراء، لم يتردد البعض في تداول معلومات غير دقيقة أو مبالغات غير موثقة، تحت ذريعة نبيلة ظاهرياً هي الدفاع عن قيم المجتمع وأخلاقه، وكأن شرف الغاية يمنح حصانة للوسيلة مع أن الحقيقة تبقى أول ضحايا هذا المنطق.
الأمر ذاته تكرر في حالات أخرى؛ من تداول لخبر لا أساس له من الصحة -تصريح منسوب للرئيس الأمريكي عن نيّة تهجير العشائر الأردنيّة للأنبار-!!، أو اجتزاء تصريحات شخصيات عامة وإخراجها من سياقها، كما حدث مع تصريحات جواد العناني، إلى محاولات صبغ بعض المواقف بأبعاد مناطقية أو اجتماعية لا تحتملها الوقائع أصلاً.
وفي حادثة الأشرفية الأخيرة، انشغل البعض بتبرير إطلاق النار أو تأويله قبل انتظار نتائج التحقيقات، وكأن المطلوب هو الانتصار للرواية الأقرب إلى الميول الشخصية لا للحقيقة.
وفي قضايا أكثر حساسية، مثل التحرش بالقاصرين تتحول المآسي أحياناً إلى مادة للاستعراض الرقمي، فتغيب حقوق الضحايا وخصوصيتهم أمام سباق المشاهدات.
وكذلك الحال عند صدور أحكام قضائية بحق مشاهير السوشيال ميديا؛ إذ تصبح القضية فرصة جديدة لتأجيج الجدل وجمع التفاعلات بدلاً من مناقشة أبعادها القانونية والاجتماعية بموضوعية.
حتى القضايا الخدمية لم تسلم من هذه الثقافة فتصوير أكوام النفايات أو مشاهد الإهمال في الشوارع قد يكون عملاً رقابياً مشروعاً، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى انتقائية مقصودة تبحث عن اللقطة الصادمة فقط، دون محاولة تقديم صورة كاملة أو المساهمة في إيجاد حلول.
ولعل تصريحات وزير الإعلام حول الاستعانة بالمؤثرين تطرح سؤالاً مهماً: هل نحن بحاجة إلى مؤثرين يصنعون وعياً عاماً مسؤولاً، أم إلى نجوم تفاعل يجيدون جذب الانتباه فقط؟ فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات والمشاركات، بل بقدرته على تعزيز المعرفة والوعي والثقة.
إن المجتمع الذي يسمح للترند بأن يصبح بديلاً عن الحقيقة، وللإشاعة أن تتنكر بلباس الفضيلة، وللانفعال أن يتقدم على التحقق هو مجتمع يضعف تدريجياً أمام سطوة الضجيج.
فالحقيقة لا تحتاج إلى مؤثرين بقدر حاجتها إلى مهنيين، ولا تحتاج إلى صخب بقدر حاجتها إلى ضمير.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة متاحة بضغطة زر، تبقى المسؤولية هي العملة النادرة التي لا يصنعها الترند ولا يشتريها عدد اللايكات.





