الصحوة – محمد الرميضي
في كل مرة نكتب فيها وصفًا لصورة ونطلب من أدوات الذكاء الاصطناعي أن تتخيلها لنا، نحن في الحقيقة لا نطلب توثيقًا لثقافتنا، بل تقريبًا لصورة محتملة لها، مبنية على ملايين الصور التي تدربت عليها هذه الأدوات من مصادر غربية في الغالب. والفرق بين “التوثيق” و”التقريب المحتمل” هو بالضبط المسافة التي يضيع فيها التراث.
إذا طلبت من أي أداة توليد صور أن ترسم لك رجلا عُمانيا بزيّه التقليدي، وستحصل على نتيجة تبدو مقنعة للوهلة الأولى: دشداشة، كمّة أو مصر. لكن ما ان تمعن النظر فيها: الكمّة قد تحمل نقوشًا غير المتعارف عليها معنا، وشكل المصرّ ولفّته الظاهرة تخلط بين أسلوب عُماني وآخر من دولة آسيوية. الأداة لا تعرف الفرق بين الزي العُماني والإماراتي والسعودي بالدقة التي يعرفها المواطن نفسه، لأنه ببساطة لم يتدرب على صور مصنّفة لكل بلد وكل منطقة داخلها.
النتيجة أخطر مما تبدو: صورة “تبدو صحيحة” لغير المتخصص، لكنها في جوهرها تسطيح لتنوع ثقافي يدمج عدة دول.
الأمر نفسه يتكرر مع المعالم التراثية والتاريخية. لو طلبت من أداة توليد صورة لقلعة عُمانية تقليدية قد تحصل على مزيج من عناصر مغربية وأندلسية، لأن الأداة تصنّف كل ما هو “عمارة إسلامية” بشكل واحد تقريبًا. أما التفاصيل الفعلية للقلاع والحصون مثل قلعتي نزوى وبهلاء وحصن جبرين، بنقوشها الخاصة وما حولها من عمارة ومزارع، فهي غالبًا غير ممثّلة بشكل كافٍ في بيانات التدريب، فتستبدلها الأداة بتصور عام لا يمت للمكان بأي صلة.
لا تقتصر أخطاء الذكاء الاصطناعي على الزي والعمارة فقط، فقد تمتد لتمس جوانب أكثر حساسية في حال استخدامها لتوليد أعلام الدول وشعارات المؤسسات. أعلام الدول لها ألوان ونِسب ورموز محددة بدقة، وأدوات الذكاء الاصطناعي لا ترسم العلم كملف رسمي، ولكنها تحاول الوصول إلى الشكل العام، فتنتج نسخة تشبه العلم من ألوان ورموز مقاربة دون أن تكون هي. الأمر نفسه، ينطبق على الشعارات المؤسسية والحكومية، التي تُعد علامات محمية وهوية بصرية رسمية لا يجب “إعادة تشكيلها” بأداة لا تعرف شكلها الفعلي بدقة.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين خطأ تقني عابر وخطأ يحمل صفة رسمية. أي محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي يُنشر باسم جهة حكومية لا يُنظر إليه كتجربة، بل كتوثيق أو تصديق رسمي لما يحتويه، حتى لو كان الخطأ غير مقصود.
هذه المشكلة ليست خاصة بسلطنة عُمان أو بدول الخليج فقط، فكل ثقافة غير ممثّلة بكثافة في بيانات التدريب الغربية تواجه النوع نفسه من التسطيح. لكن الجهات الرسمية والمؤسسات الحكومية تتحمل مسؤولية إضافية، لأن أي صورة تصدر باسمها تُقرأ كحقيقة، لا كتجربة تصميمية.
الحل ليس في رفض أدوات الذكاء الاصطناعي، ولكن يجب رسم حدود واضحة لاستخدامها، وأطر يمكن أن تكون عامة وأخرى خاصة لكل مؤسسة واستخداماتها.
أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات مساعدة، وهي بلا ذاكرة ثقافية حقيقية. وعندما يتعلق الأمر بتراثنا ورموزنا الوطنية، لابد من التدقيق والتمحيص في كل ما هو مولّد باستخدامها ويبدو حقيقيا قبل نشره.