عندما تتحول السياسة إلى سوق للمصالح.. من اختطف الأمل من المغاربة؟
في زمن اختلطت فيه المعايير، لم يعد مستغرباً أن يجد المواطن نفسه عاجزاً عن التمييز بين السياسي ورجل الأعمال، بين المناضل الحقيقي وصاحب المصالح، وبين من دخل السياسة لخدمة الوطن ومن دخلها بحثاً عن النفوذ والامتيازات.
المؤلم اليوم ليس فقط تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات، بل التحول الخطير الذي أصاب الفعل السياسي نفسه، فبدل أن تكون السياسة فضاءً للأفكار والكفاءات والمشاريع المجتمعية، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة للتدافع حول المواقع والمناصب والتزكيات الانتخابية.
لقد أصبح المشهد السياسي في نظر كثير من المغاربة أشبه بسوق مفتوح، حيث تتقدم القدرة المالية أحياناً على الكفاءة، ويُكافأ الولاء أكثر مما تُكافأ الجدارة، وتُمنح الفرص لمن يجيدون الحسابات الانتخابية لا لمن يحملون رؤية لإصلاح أوضاع المواطنين.
والأخطر من ذلك أن بعض التنظيمات السياسية، التي يفترض أن تكون مدارس للتأطير الديمقراطي، باتت تفتح أبوابها أمام وجوه تثير الكثير من الجدل في محيطها المحلي، فقط لأنها تملك القدرة على حشد الأصوات أو التأثير في النتائج، أما معايير النزاهة والكفاءة والالتزام الأخلاقي، فتبدو في أحيان كثيرة مجرد شعارات تُرفع في الخطب والبرامج الانتخابية.
وفي المقابل، أصبح كل صوت ناقد عرضة للتشكيك والتخوين، فإذا انتقدت أداء مسؤول اتُّهمت بخدمة أجندة معينة، وإذا كشفت معطيات محرجة قيل إنك تصفي حسابات، وإذا طرحت أسئلة مشروعة حول تدبير الشأن العام وُوجهت بحملات منظمة هدفها إسكات الرأي المخالف لا مناقشة ما يطرحه من قضايا.
إن أخطر ما يهدد الديمقراطية ليس النقد، بل الخوف من النقد، وليس الصحافة الحرة، بل الرغبة في تدجينها، وليس الرأي المخالف، بل السعي إلى إقصائه وتشويهه بدل مواجهته بالحجج والوقائع.
ولعل ما يدعو إلى الأسف حقاً هو أن السياسة في المغرب كانت ذات يوم فضاءً للنقاش الفكري والصراع حول المشاريع والبرامج. كانت الأحزاب تُنتج النخب وتُخرج القيادات من رحم النضال والعمل الميداني.. أما اليوم، فإن كثيراً من المواطنين لم يعودوا يرون في الانتخابات سوى محطة عابرة تتكرر فيها الوجوه نفسها والخطابات نفسها والوعود نفسها.
لهذا لم تعد الأزمة أزمة أحزاب فقط، بل أزمة ثقة عميقة بين المواطن والسياسة، فحين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئاً، وأن بعض المرشحين يُفرضون بمنطق النفوذ أو المال أو العلاقات، يصبح العزوف الانتخابي رد فعل طبيعياً لا موقفاً استثنائياً.
المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل، يحتاج إلى أحزاب تفتح أبوابها للكفاءات لا لأصحاب النفوذ، وإلى نخب تؤمن بالخدمة العمومية لا بالامتيازات، وإلى صحافة تُنتقد بالحجة لا تُحارب بالتبليغات والحملات الإلكترونية.
أما الاستمرار في إنتاج الممارسات نفسها وانتظار نتائج مختلفة، فهو أكبر وهم سياسي يمكن أن نعيشه اليوم. فالأمم لا تبنى بالمال وحده، ولا بالتحالفات الظرفية، ولا بآلات الدعاية، بل بالثقة، والثقة، للأسف، أصبحت العملة الأكثر ندرة في المشهد السياسي المغربي.


