🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
430543 مقال 249 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2609 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

عندما تصبح الأصوات الناشزة والشعارات والتصريحات المتخبطة سلاح المفلسين

سياسة
سواليف
2026/05/31 - 10:21 502 مشاهدة

عندما تصبح الأصوات الناشزة والشعارات والتصريحات المتخبطة سلاح المفلسين

بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

في عالم السياسة، كما في ميادين الحروب، لا تُقاس القوة بعلو الصوت ولا بكثرة التهديدات، بل بوضوح الرؤية وقدرة صاحب القرار على تحويل أهدافه إلى واقع ملموس. وعندما تتحول التصريحات النارية إلى حدث يومي، وتصبح التهديدات المتكررة بديلاً عن الإنجازات السياسية، فإن ذلك غالباً ما يعكس حالة من الارتباك والعجز أكثر مما يعكس حالة من الثقة والقوة.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التصريحات المتلاحقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، وما يرافقها من تهديدات وتصعيد إعلامي، باعتبارها انعكاساً لحالة تخبط سياسي يعيشها نتيجة عجزه عن تقديم مبررات مقنعة لشعبه أولاً، وللعالم ثانياً، حول أسباب السعي إلى مواجهة مفتوحة مع دولة بحجم إيران وتعقيداتها الجيوسياسية والتاريخية.

لقد دخل ترامب هذه المواجهة وهو يراهن على اصطفاف دولي واسع خلف سياساته، معتقداً أن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وحلف شمال الأطلسي سوف يسارعون إلى الوقوف في خندق واحد مع واشنطن. غير أن هذا الرهان اصطدم بواقع مختلف تماماً. فالدول الأوروبية التي دفعت أثماناً سياسية واقتصادية باهظة نتيجة انخراطها في صراعات دولية خلال العقود الماضية، أصبحت أكثر حذراً في منح شيكات مفتوحة لأي مغامرة سياسية أو عسكرية جديدة، خاصة عندما تعجز حكوماتها عن تقديم مبررات مقنعة لشعوبها.

لقد تعلم الأوروبيون أن الانجرار خلف السياسات الأمريكية لا يعني بالضرورة تحقيق مصالحهم الوطنية، وأن الشعوب الأوروبية أصبحت أكثر حساسية تجاه الحروب والصراعات الممتدة التي تستنزف اقتصاداتها وتنعكس على أمنها واستقرارها الداخلي. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يظهر التردد الأوروبي في تأييد أي تصعيد واسع ضد إيران، رغم حجم الضغوط الأمريكية.

لكن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه صناع القرار في واشنطن يتمثل في سوء فهم طبيعة الشعب الإيراني نفسه. فهناك فرق كبير بين الخلاف مع السلطة وبين التخلي عن الوطن. قد يختلف الإيرانيون في تقييم سياسات حكوماتهم، وقد تتباين رؤاهم بشأن مستقبل بلادهم، إلا أن التاريخ أثبت أن الشعوب ذات الجذور الحضارية العميقة غالباً ما تتوحد عندما تشعر بأن كيانها الوطني أو سيادتها يتعرضان للاستهداف من الخارج.

وما يبدو أن بعض مستشاري البيت الأبيض قد أغفلوا إيضاحه للرئيس الأمريكي هو أن إيران ليست مجرد دولة ظهرت على الخريطة السياسية في العصر الحديث، بل هي وريثة واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية المستمرة عبر التاريخ. حضارة ساهمت في بناء المعرفة الإنسانية، وأنتجت عبر القرون علماء ومفكرين وأدباء وفلاسفة تركوا بصماتهم في الحضارة البشرية. وهذا الإرث الحضاري لا يمكن تجاهله عند محاولة فهم ردود أفعال شعبها أو حساباته الاستراتيجية.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة نفسها، رغم قوتها العسكرية والاقتصادية الهائلة، لا يتجاوز عمرها بضعة قرون، بينما لا يتجاوز عمر الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين سوى عقود معدودة. وهذه ليست مقارنة في القيمة أو المكانة، وإنما إشارة إلى اختلاف النظرة التاريخية والزمنية لدى الأطراف المتصارعة. فالدول التي تمتلك عمقاً حضارياً يمتد لآلاف السنين تنظر إلى الزمن بطريقة مختلفة، وتتعامل مع التحديات بمنطق التراكم التاريخي لا بمنطق النتائج السريعة والآنية.

ولعل ما يغيب عن الكثير من المحللين الغربيين أن إيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات الممتدة. فهي دولة خاضت حروباً وأزمات وحصارات وضغوطاً استمرت سنوات طويلة، وطورت عبر عقود أدوات متعددة للتعامل مع الاستنزاف السياسي والاقتصادي والعسكري. لذلك فإن الرهان على إنهاكها خلال فترة قصيرة أو إخضاعها عبر الضغوط المتسارعة قد لا يكون واقعياً كما يتصور البعض.

فإدارة الصراعات طويلة الأمد ليست مهارة تمتلكها جميع الدول. هناك دول تبني استراتيجياتها على تحقيق نصر سريع وحاسم، وعندما يتعذر ذلك تبدأ حساباتها بالتآكل. أما الدول التي اعتادت التعامل مع الأزمات الممتدة فإنها تنظر إلى عامل الزمن باعتباره جزءاً من أدوات القوة، لا عبئاً عليها. ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من السلوك السياسي الإيراني الذي يقوم على الصبر الاستراتيجي والنفس الطويل وانتظار تبدل الظروف والمعادلات.

إن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تُحسم دائماً بالتفوق العسكري وحده، كما أن الضغوط الاقتصادية ليست كافية لإخضاع الشعوب التي تمتلك شعوراً عميقاً بهويتها الوطنية. فالهوية والتاريخ والثقافة والانتماء عوامل لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ والعقوبات الاقتصادية. ولهذا كثيراً ما أخفقت القوى الكبرى في تحقيق أهدافها عندما تعاملت مع الشعوب باعتبارها مجرد أرقام في معادلات القوة.

إن ما نشهده اليوم من تصعيد في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إيران لا يعكس بالضرورة موقع القوة الذي تحاول واشنطن إظهاره، بل قد يكون مؤشراً على أزمة في القدرة على بناء توافق داخلي وخارجي حول سياساتها. فعندما تكثر التهديدات وتتضارب التصريحات وتغيب الرؤية الواضحة، يصبح الضجيج الإعلامي محاولة لتعويض الفراغ السياسي.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن السياسة لا تُدار بالصوت المرتفع ولا بالشعارات الرنانة، بل بفهم التاريخ وقراءة الواقع وإدراك طبيعة الخصوم والحلفاء على حد سواء. أما الأصوات الناشزة والتصريحات المتخبطة، مهما علت حدتها، فإنها تبقى في كثير من الأحيان السلاح الأخير لمن ضاقت أمامه الخيارات، وعجز عن إقناع شعبه والعالم بعدالة موقفه أو واقعية أهدافه. الدقيقة، لا على الانفعال والرهانات الخاطئة.

هذا المحتوى عندما تصبح الأصوات الناشزة والشعارات والتصريحات المتخبطة سلاح المفلسين ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free