🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
400092 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3813 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

«عندما لم تكن الإبادة خبرًا»: كيف ساهمت وسائل الإعلام الغربية في تدمير غزة؟

سياسة
حبر
2026/05/21 - 08:34 505 مشاهدة

من مفارقات إبادة غزة أنها الإبادة الجماعية الأولى في تاريخ البشر، التي تُذاع وتُبث لجميع الناس مباشرةً، ومع ذلك فهي أكثر الإبادات التي عُتّم عليها. ربما يبدو ذلك غريبًا، لكن في عوالم غير عوالمنا العربية والإسلامية، يتجلى ذلك التعتيم في سوء الفهم المجتمعي لما وقع، حيث يشكّل الناس تصورهم عن بقية العالم من خلال مصفاة وسائل الإعلام السائدة. ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن تصورهم لما جرى في غزة قد تحدد سلفًا في غرف الأخبار وقاعات التحرير المؤثرة. وأعني بذلك تحديدًا القسم الغربي من الأرض، حيث لعبت الصحافة الغربية دورًا خطيرًا، إذ لم تقصر في أداء واجبها خلال تدمير «إسرائيل» لغزة فحسب، بل تواطئت بشكل فعلي في تمكينه وإطالة أمده.

منذ توقف الحرب شهدنا تطورًا في أدب المراجعات النقدية لدور وسائل الإعلام السائدة في حرب الإبادة، من خلال ظهور عددٍ من الكتب التي توثق وتحلل هذا الدور. بينها كتاب «كيف تسوّق الإبادة الجماعية: تواطؤ وسائل الإعلام في تدمير غزة» لآدم جونسون، وكتاب «منبوذة: كيف حطّمت غزة إسرائيل» لريتشارد باول ، وكتاب جماعي حرره مارتن لوكاس ودانيا ماجد وجيسون توني، تحت عنوان «عندما لم تكن الإبادة الجماعية خبرًا: كيف غطت وسائل الإعلام الكندية على تدمير غزة؟». ومع ذلك فإن حجم ما توثقه هذه الكتب يتحدى أي تلخيص سهل. فعلى مدى عامين، قُتل أكثر من 70 ألف فلسطيني، ودُمرت تسعة من كل عشرة منازل في القطاع، فضلًا عن تدمير البنية التحتية للرعاية الصحية، وقتل أكثر من 200 صحفي فلسطيني، وهو عدد يفوق مجموع قتلى الصحفيين في الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب فيتنام وحرب يوغوسلافيا والعراق وأفغانستان، وفقًا لمشروع تكاليف الحرب في جامعة براون.

خيانة الكلمات

من خلال المنهج الإحصائي تتكشف الصورة بوضوح؛ إذ يستند آدم جونسون في كتابه إلى أكثر من 12 ألف مقال وخمسة آلاف مقطع تلفزيوني من تسع وسائل إعلام أمريكية رئيسية (هي: CNN، وMSNBC، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ووكالة أسوشيتد برس، وبوليتيكو، ويو إس إيه توداي، وأكسيوس، وموقع CNN)، مُدعمًا هذه البيانات بمقابلات رسمية مع صحفيين داخل تلك المؤسسات الإخبارية. لذلك، فإن الكلمات التي وثّقها جونسون في التداول الإعلامي لا تبدو مجرّد انحرافات هامشية، بل هي تجلٍ لسياسات تحريرية منهجية تُطبّق بصرامةٍ تُضاهي توجيهات الشركات. ففي المئة يوم الأولى من الحرب، استُخدمت كلمات مثل: «مجزرة»، و«همجي»، و«وحشي»، و«ذبح» آلاف المرات في وسائل الإعلام لوصف ما جرى يوم السابع من أكتوبر. أمّا بالنسبة لقتل الفلسطينيين، فكان العدد المُكافئ صفرًا فعليًا؛ أي أنها لم تُستخدم قط في كتابات الصحفيين أنفسهم، بل وردت فقط في المناسبات النادرة التي نُقلت فيها تصريحات مباشرة عن مسؤولين فلسطينيين.

وفي قنوات الأخبار الفضائية كان الأمر نفسه، حيث استخدمت شبكة CNN كلمة «مجزرة» 225 مرة في الثلاثين يومًا الأولى من الحرب لوصف يوم السابع من أكتوبر، ولم تُستخدم ولو مرة واحدة لوصف أيٍّ من مئات عمليات القصف الإسرائيلي المُتعمّدة التي تلتها. أما مصطلح «الدروع البشرية»، فقد استُخدم 888 مرة على شبكتي CNN وMSNBC لوصف ما يُزعم أنه «تكتيكات فلسطينية». أما استخدام «إسرائيل» الموثّق للمعتقلين الفلسطينيين دروعًا بشرية، وهي ممارسة أكّدتها المحاكم الإسرائيلية وسُجّلت بالفيديو، فلم يُذكر على هاتين الشبكتين ولو لمرة واحدة. في حين ظهر مصطلح «حق الدفاع عن النفس» 755 مرة عند الحديث عن «إسرائيل» على شبكتيْ CNN وMSNBC، بينما لم يُذكر عند تطبيقه على الفلسطينيين سوى ثماني مرات.

يُوسّع جونسون في فصلٍ مستقل بحثه حول تجريد اللغة من الإنسانية. فخلال مفاوضات تبادل الأسرى، أشارت جميع وسائل الإعلام الرئيسية دائمًا إلى الأسرى الإسرائيليين دون سن الثامنة عشرة بـ«الأطفال»، بينما أُشير إلى الأسرى الفلسطينيين دون السن نفسها بـ«القاصرين»، وغالبًا ما كان ذلك في الجملة نفسها. وقد كرّرت صحيفة نيويورك تايمز هذا المعيار المزدوج 12 مرة على الأقل، في عبارات مثل: «وافقت حماس على إطلاق سراح 50 رهينة على الأقل، جميعهم من النساء والأطفال، بينما ستُطلق إسرائيل سراح 150 امرأة وقاصرًا فلسطينيًا من سجونها». يُقدّم جونسون عشرة أمثلة من هذا القبيل من وسائل إعلام أخرى من بينها أكسيوس وواشنطن بوست ووكالة أسوشيتد برس. وهو ما يظهر بوضوح أن المغزى الضمني، هو اعتبار الشباب الإسرائيليين كاملي الحقوق الأخلاقية للأطفال، بينما يُنظر إلى الشباب الفلسطيني على أنهم أكثر نضجًا من الناحية القانونية، وأكثر مسؤولية، وبالتالي «يستحقون» ما يحدث لهم من انتهاكات.

كما يتناول الكاتب قصة مزاعم «قطع رؤوس 40 طفلًا»، من خلال دراسة حالة دقيقة حول كيفية تحوّل رواية ملفّقة إلى حقيقة مُسلّم بها، وتؤسس عليها عملية واسعة لتشريع الإبادة. وقد صدرت هذه المزاعم عن الجيش الإسرائيلي ومنظمة «زاكا» اليمينية المتطرفة، وكرّرها دون التحقق منها (أو ربما عن قصدٍ) صحفيون وصحفيات من شبكات CNN وCBS وMSNBC، بل والرئيس الأمريكي بايدن نفسه، الذي صرّح بأنه شاهد شخصيًا صورًا للفظائع المزعومة. وكما يُوثّق جونسون، لم يكن هناك أي دليل على ذلك، فقد كانت المزاعم ملفّقة، وبحلول الوقت الذي تم فيه التراجع عنها بهدوء أو السماح لها بالتلاشي إلى خطاب أكثر غموضًا حول «قطع الرؤوس»، كانت قد حققت غرضها، وهو تحويل حماس إلى حركة شبيهة بتنظيم داعش، وإغلاق أي إطار سياسي أو دبلوماسي للتعامل معها، وخلق المناخ الأخلاقي اللازم لجعل إبادة 30 ألف طفل فلسطيني، أي ما يقارب 30% من إجمالي عدد الشهداء في الحرب، أمرًا مفهومًا للجمهور الأمريكي باعتبارهم ضحايا عرضيين.

يُظهر جونسون براعةً خاصة في تحليله لما يُسميه «خنادق التبرير»، وهي طبقات متتالية من الدعم الأيديولوجي أقامتها وسائل الإعلام الليبرالية لتمكين جمهورها من قبول، أو على الأقل التسامح مع ما كان واضحًا وجليًا أنه إبادة. لم تُخترع هذه الخنادق لغزة، بل كانت لها جذور في حرب العراق، وفي عقود من تغطية الحرب على الإرهاب، وفي التاريخ الطويل للغة الإعلام الاستشراقية التي تُصوّر العنف العربي كأمر وجودي والعنف الغربي كأمر عرضي أو دفاعي. لكن في سياق غزة، كما يرى جونسون، أصبحت هذه الخنادق ذات أهمية قصوى، لأنها صُنعت من قِبل نفس منظومة الإعلام التي يثق بها الديمقراطيون الليبراليون أكثر من غيرها، وبالتالي شكّلت الظروف السياسية التي مكّنت إدارة بايدن الديمقراطية من مواصلة تسليح وحماية ما وصفه كبار علماء الإبادة الجماعية بـ«الإبادة الجماعية دبلوماسيًا». 

يصف جونسون هذا بأنه أخطر فضيحة إعلامية في القرن الحادي والعشرين، مستندًا إلى وصوله لمصادر مجهّلة في شبكتي CNN وMSNBC. إذ يوثق، مثلًا، توجيهًا داخليًا لشبكة CNN ينص على ضرورة حصول «جميع النصوص على جميع المنصات التي ترتبط بأي شكل من الأشكال بفلسطين» على موافقة مكتب القدس؛ وهو مكتبٌ يصفه بأنه «يعمل تحت رقابة عسكرية إسرائيلية»، ويُفهم على نطاق واسع أنه يُنتج تغطية إعلامية مواتية للرواية الإسرائيلية. كما يوثق مذكرة أخرى من CNN، عقب قصف المستشفى الأهلي المعمداني في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تنص على ضرورة أن تُنسب الغارات الجوية الإسرائيلية إلى «انفجارات مجهولة المصدر» حتى يؤكد الجيش الإسرائيلي نفسه مسؤوليته عنها؛ وهو معيارٌ -كما أخبره أحد مصادر CNN- لم يُطبق أبدًا في أي صراع آخر، بما في ذلك الغزو الروسي لأوكرانيا.

أمّا الفصل الخاص بتغطية صحيفة نيويورك تايمز لـ«العنف الجنسي» فهو من بين أكثر فصول الكتاب دقةً وتفصيلًا. حيث يركّز جونسون على التحقيق الاستقصائي الذي نُشر في كانون الأول 2023 بعنوان «صرخات بلا كلمات»، والذي زعمَ أن حماس «استخدمت العنف الجنسي كسلاح» في السابع من أكتوبر. لم يكتفِ جونسون برفض التقرير، بل فحص معايير مصادره بدقة، مشيرًا إلى أن كاتبته الرئيسية، أنات شوارتز، أعجبت علنًا بتغريدة تدعو «إسرائيل» إلى «تحويل قطاع غزة إلى مسلخ» من خلال حسابها الموثق على وسائل التواصل. ثم يقارن بين 128 إشارة في كبرى الصحف إلى العنف الجنسي الفلسطيني ضد الإسرائيليين، وتسع إشارات فقط إلى حالات موثقة من الاعتداء الجنسي الإسرائيلي على المعتقلين الفلسطينيين، وهي حالات أكدتها المحاكم الإسرائيلية ووُثّقت بالفيديو. ويخلص إلى أن هذا التفاوت ليس عشوائيًا، بل مقصودًا تمامًا.

استهداف الفهم

بينما يفحص جونسون البيانات، يقدم ريتشارد باول في كتابه «منبوذة: كيف حطّمت غزة إسرائيل»، شيئًا مختلفًا لكنه مكمل، من خلال سردٍ مستندٍ إلى أكثر من 300 تقرير إخباري عن غزة نُشرت منذ عام 2023، مدعومًا بمذكرات مسرّبة وشهود عيان وملفات قضائية وصور الأقمار الصناعية. باول مراسل حربي غطى حروبًا في كوسوفو والعراق والسودان وليبيريا ولبنان، وتتجلى خبرته بوضوح في معرفته كيف تبدو الصحافة في زمن الحرب، مما يجعل روايته عن بيئة الصحافة في غزة أكثر إثارة للقلق. 

لم يكن حجم القتل هو العامل الوحيد الذي جعل غزة غير مسبوقة في تجربة باول المهنية، بل الاستبعاد التام للصحافة الدولية. فعلى عكس كل حرب أخرى غطاها، حَرمَت «إسرائيل» غزة من الإمدادات الإغاثية ومن المراسلين أيضًا. لم يكن هناك مراسلون ميدانيون ولا فرق صحفية، فقد كانت الصحافة الأجنبية غائبة، وفي هذا الفراغ برز الصحفيون الفلسطينيون الذين يعملون تحت القصف وعلى مولدات كهربائية معطلة وعلى خط النار المباشر، يرسلون التقارير ويبثون حتى تعطلت معداتهم أو فقدوا أرواحهم. وفي الوقت نفسه شكل الرقيب العسكري المصدر الحصري للمعلومات الواردة إلى غرف التحرير والأخبار الغربية.

يتمحور سرد باول للحرب المعلوماتية حول آليات الدعاية الإسرائيلية (الهاسبارا)، وما يسميه «الحرب الأولى التي انهار فيها جدار الدعاية بالسرعة نفسها التي بُني بها»، لأن الواقع كان يُبث مباشرة من تحته. كانت الإبادة الجماعية في غزة، بحسب باول، أول إبادة جماعية تُبث مباشرة في العالم، فلم يوثقها مراسلون أجانب بل الضحايا أنفسهم. وقد خلق هذا وضعًا معرفيًا غير مسبوق. فلم تستطع الحكومات ووسائل الإعلام الغربية ادعاء الجهل. ولم يكن الأمر أن الحقيقة مخفية، بل كانت واضحة لأي شخص يستخدم هاتفه، ومع ذلك امتنعت وسائل الإعلام الرئيسية عن عكسها بصدقٍ للمشاهد. بدلًا من ذلك، وكما يوثق باول، كررت غرف الأخبار والحكومات الغربية المصطلحات المألوفة، مثل «الضربات الجراحية» و«الدروع البشرية» و«أهداف الإرهاب» و«الأضرار الجانبية». فكانت هذه الكلمات «أدوات هجوم ثانٍ، لا يستهدف الأجساد بل الفهم». وكان هدفها «تقويض قدرة الجمهور على فهم ما يشاهده، أو تحديد من يلوم».

يعود باول لادعاء «قطع رؤوس الأربعين طفلًا» وانهيار سردية الاغتصاب الممنهج من زاوية مختلفة. فيتتبّع مسار تحقيق صحيفة نيويورك تايمز «صرخات بلا كلمات»، مشيرًا إلى أن بودكاست «ذا ديلي» التابع للصحيفة رفض تخصيص حلقة للمقال بسبب مخاوف تتعلق بالمصداقية، وأن الصحيفة اضطرت في النهاية إلى سحب جزء منه عندما تناقضت مقاطع فيديو جديدة مع رواية شاهد رئيسي في التحقيق كان واضحًا أنه جزء من لعبة الرقيب العسكري لتغذية وسائل الإعلام بالمعلومات المنحازة. ومع ذلك، لم تُصدر وسائل الإعلام التي ضخّمت الادعاءات الأصلية أي تراجعات مماثلة. وعندما نشرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة ريم السالم بيانًا أشارت فيه إلى عدم وجود تحقيق مستقل يؤكد وقوع الاغتصاب، طالبت وزارة الخارجية الإسرائيلية باستقالتها، وقد حظي هذا البيان بتغطية إعلامية واسعة من قِبل وسائل الإعلام نفسها التي نشرت التقارير الأصلية غير الموثقة.

المختبر الكندي

لم يكن الوضع في الجارة الشمالية للولايات المتحدة أفضل حالًا. يقدم كتاب «عندما لم تكن الإبادة الجماعية خبرًا»، الذي حرره مارتن لوكاس ودانيا ماجد وجيسون توني، وجهة نظر من كندا للدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تسويق الإبادة على أنها «حرب دفاع عن النفس». تحتل كندا مكانةً خاصة فهي من بين أقوى داعمي إسرائيل في العالم، إذ تبيعها الأسلحة وتوفر لها الحماية الدبلوماسية في الأمم المتحدة، ووقّعت اتفاقية تجارة حرة اعترفت بالأراضي الفلسطينية كجزءٍ فعلي من إسرائيل. وكما يذكر المحررون، فإن هذه العلاقة الخاصة ربما تتجلى بوضوح في تصريح رئيس الوزراء الليبرالي السابق بول مارتن عام 2005: «قيم إسرائيل هي قيم كندا»، والذي تحول إلى ما يشبه عقيدة سياسية.

فحصَ محررو الكتاب آلاف الكلمات في تغطية صحف رئيسية مثل «غلوب آند ميل» و«تورنتو ستار» و«ناشونال بوست» خلال الستة أسابيع الأولى من الحرب. وتَطابقت نتائجهم مع بيانات جونسون الأمريكية بدقة لافتة. فقد استخدمت الصحف الثلاث مصطلح «مذبحة» عشرات المرات لوصف القتلى الإسرائيليين، ولم تستخدمه ولو مرة واحدة لوصف القتلى الفلسطينيين. أما كلمة «مجزرة» فقد وُصفت بها هجمات السابع من أكتوبر مئات المرات، دائمًا كوصف صحفي واقعي، بينما عند استخدامها لوصف الهجمات الإسرائيلية، لم تظهر إلا عند اقتباس تصريحات من متحدثين من الجانب الفلسطيني، ولم تُستخدم أبدًا في مقالات الرأي في أي صحيفة من الصحف. 

دأبت صحيفة «ناشونال بوست» على وصف مقاتلي حماس بأنهم «همجيون» و«متوحشون»، وفي المقابل لم تُستخدم هذه المصطلحات مطلقًا لوصف الجيش الإسرائيلي. كما تُعدّ الأبعاد النحوية دالة بنفس القدر. فكثيرًا ما يُقال عن الفلسطينيين «إنهم ماتوا» أو «إنهم قُتلوا في غزة»، كفعل مبني للمجهول، بينما يُقال عن الإسرائيليين «أنهم قُتلوا على يد حماس». وكان مراسلو صحيفة «غلوب آند ميل» يكتبون في جملة واحدة: «قُتل أكثر من 1400 شخص على يد حماس في جنوب إسرائيل، وقُتل أكثر من 2778 في غزة». حيث يبدو فاعل إحدى عمليتي القتل واضحًا، بينما فاعل الأخرى مَحذوفًا. لتصبح وفيات الفلسطينيين حدثًا عابرًا، وكأنهم ماتوا في كارثة طبيعية.

ضمن مواد الكتاب يبدو مقال إيما بالينغ حول ردّ هيئة الإذاعة الكندية (CBC) الرسمي على شكاوى المشاهدين لافتًا. فقد أوضحت مديرة المعايير الصحفية في الهيئة، في ردّها الخطي على أستاذ متقاعد قدّم شكوى رسمية، استخدام الهيئة اللغة العاطفية بعبارات دقيقة. وكتبت أن كلمات مثل «قاتل» و«شرس» و«وحشي» و«مجزرة» و«ذبح» كانت مناسبة لوصف «هجوم حماس»، لأن عنفه «نُفّذ بشكل مباشر، وجهًا لوجه». وأضافت أن القنابل التي أُلقيت من الطائرات وقذائف المدفعية التي أُطلقت من على بُعد كيلومترات، تُنتج «موتًا ودمارًا على نطاق واسع، لكنها تُنفّذ عن بُعد». إذا المسافة في الإطار التحريري الرسمي لهيئة الإذاعة الكندية تُعتبر عاملًا مُخففًا، وقرب العنف هو ما يُحدد خطورته الأخلاقية. أما آلاف الأطفال الذين انتُشلت جثثهم من تحت أنقاض الغارات الجوية الموجهة بدقة، فقد ماتوا نتيجة نوع خاطئ من القتل لا يستحق كل هذا الثقل من اللغة الصحفية العاطفية. لم يكن ذلك التبرير تسريبًا أو شائعة، بل هو بيان رسمي مكتوب لسياسة التحرير مُوقّع من قِبل مدير كبير لمعايير الصحافة في هيئة الإذاعة الكندية العامة، ومحفوظ في ملف شكوى رسمي. وعندما طُلب منها التعليق، رفضت الهيئة رفضًا قاطعًا وصف ردها على أنه ازدواجية في المعايير، رغم أن السجل المكتوب يُظهر هذه الازدواجية بوضوح.

كما توثق مقالة شيناز كرمالي، المستندة إلى مقابلات مجهلة مع عدد من الصحفيين في وسائل الإعلام الكندية الرئيسية، القمع الممنهج للروايات الفلسطينية، فقد رُفض تقريرٌ عن خلفية سياسيين متطرفين في الكنيست، ورُفض ملفٌ تعريفيٌّ عن شاعر فلسطيني شهير قُتل بنيران إسرائيلية، وقوبل شرحٌ عن الاعتقال الإداري الإسرائيلي بنظرةٍ حائرة. وأخبر أحد المنتجين كرمالي أن المعلقين الفلسطينيين القلائل الذين تمت دعوتهم اقتصر حديثهم على الأزمة الإنسانية، «دون التطرق إلى الجغرافيا السياسية للصراع». كما اعتُبر تقديم السياق التاريخي السابق للسابع من أكتوبر بمثابة تبرير لحماس. وخضعت المصادر الفلسطينية لمتطلبات تدقيق الحقائق التي لم تُطبق على أي فئة أخرى من الضيوف، ففي إحدى المرات، طُلب من أحد المنتجين التحقق بالوثائق مما إذا كان أحد أفراد عائلة ضيف فلسطيني قد قُتل بالفعل في غارة جوية إسرائيلية.

ويوثّق فصلٌ من المختارات حول منظمة «هونست ريبورتينغ كندا»، وهي جزء من اللوبي الصهيوني، كيف أثّرت حملات الشكاوى المنسقة من جماعات الضغط على قرارات غرف الأخبار. ففي الأسابيع الستة الأولى من الحرب، قدّمت المنظمة 19 شكوى منفصلة إلى وسائل إعلام كندية رئيسية. لم تكن المخاوف قانونية في المقام الأول، بل كانت تتعلق بالسمعة والخشية من سيف «معاداة السامية»، مما خلق مناخًا أخذ فيه المحررون والمنتجون ردود الفعل السلبية المتوقعة في الحسبان عند اتخاذ القرارات التحريرية حتى قبل نشر التقارير. ويُجسّد تعامل صحيفة «غلوب آند ميل» مع الكاتب الهندي بانكاج ميشرا منطق هذا المناخ بأوضح صوره. فقد قدّم ميشرا مقتطفًا من محاضرته التي انتقد فيها تغطية وسائل الإعلام الغربية لغزة للنشر، وتلقّاه لاحقًا بعد حذف جميع الإشارات المنتقدة لإسرائيل. في البداية، أنكرت «غلوب» أن تكون التعديلات ذات دوافع سياسية، عازية إياها إلى ضيق المساحة. لكن موقع «ذا بريتش» حصل على المسودة المُعدّلة ونشرها، حيث لم تكن التعديلات موزعة عشوائيًا على النص من أجل الإطالة، بل استهدفت تحديدًا كل إشارة نقدية لإسرائيل.

تُقدّم هذه الكتب الثلاثة، حجةً هيكليةً تتجاوز حالات الإغفال والأفعال الفردية التي توثّقها. فالأنماط التي تصفها ليست نتاج سوء نية الصحفيين، بقدر ما هي نتاج بنى مؤسسية، تتعلق بملكية الشركات المالكة لوسائل الإعلام والعلاقات مع المعلنين والنفوذ المُركّز لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل والتمويل السياسي الذي يُكافئ الامتثال ويُعاقب الانحراف، فضلًا عن حسابات المسار الوظيفي للعاملين بعقود مؤقتة وغير مستقرة، والذين يُدركون أيّ القصص ستُؤهّلهم للترقية وأيّها ستُعرّضهم للفصل. لكن السؤال الذي تطرحه هو سؤال دارت حوله الدراسات الإعلامية لعقود، ولكن نادرًا ما تمت مواجهته بهذه الإلحاح، وهو ما هي العلاقة بين التغطية الإعلامية والفظائع الجماعية؟ ويبدو واضحًا في حالة غزة أن وسائل الإعلام السائدة لم تكتف فقط بإخفاء الإبادة بل ساهمت في تبريرها وإطالة أمدها وصناعة بعض فصولها الأشد قسوة، وتمكين مرتكبيها من الإفلات من العقاب ولو إلى حين.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤