إذا كان المرء يبحث عن الجمال في الفن فإنه لن يجده في هذا المعرض. لا تنتمي تريسي أمين إلى الفنانين الذين يثقون بجمال الحياة أو أنهم يؤمنون بأن في إمكان الفن أن يقلل شعورنا بعبث العيش. في سياق الفن المفاهيمي الذي ينتمي إلى الفنون المعاصرة، فاجأت الفنانة التي صنعت خيمة لخلواتها العاطفية جمهور الفن ونقاده باعترافها بتفاصيل حياتها الشخصية التي كانت عبارة عن فضائح لطالما عمد الآخرون إلى طمسها في محاولة للدفع بها إلى النسيان. ما فعلته أمين أنها جعلت من فضائحها الشخصية مادة لفنها.
بين الأيقونة والظاهرة الدعائية
ما الذي يبحث عنه الجمهور وهو يقف في طابور من أجل قراءة مذكرات تريسي امين التي صفت أوراقها على الحائط كأنها لوحات؟ ذلك المشهد الافتتاحي يهبنا أفكارا مهمة عن عالم الفنانة الذي يبدو مركبا من الخارج كأنه علبة تغص بالمفاجآت. ليس ذلك العالم صعبا على الفهم إذا ما تمكن المرء من تفكيك عناصره من خلال العودة إلى الرؤية الفنية التي تبنتها الفنانة التي تشغل مكانا مهما في الأكاديمية الملكية للفنون، من أجل أن تضع الفن في خدمة حياتها الشخصية. وقد لا يكون كل شيء حقيقيا، لكن الحكايات التي ترويها أمين يمكن تصديقها بدءا من ظاهرة التنمر الذي تعرضت له في طفولتها ومراهقتها، هي التي تنتمي إلى عائلة، الأب فيها تركي قادم من قبرص والأم بريطانية من أصول غجرية، وانتهاء بتداعيات عمليات الاجهاض بعد علاقات حب فاشلة، مرورا بإدمان الكحول والمخدرات الذي كان سائدا بين أوساط الفنانين الشباب في تسعينات القرن الماضي.

"حولت المعاناة إلى منحوتات والإهانات إلى شعر والألم إلى فن"، ذلك ما يقوله منسقو المعرض، وهو ما يصدقه الجمهور المندفع بفضول للإنصات إلى صوت الضحية مستعيدا بإعجاب مسيرة الفنانة التي كافحت من أجل أن يصل صوتها لا من طريق جمعيات حقوق الإنسان أو المحاكم بل من طريق الفن المعاصر، اذ استفادت من ثغرة فيه اكتشفت من خلالها واقعا رخوا صنعه فكر ما بعد الحداثة الذي أحل الفكرة محل الجمال، وهو ما سمح للكثيرين من ذوي المواهب الضعيفة والناقصة في التحول إلى فنانين من خلال استعراض رؤاهم الفلسفية المتواضعة التي تقوم على تجارب العيش المباشر. بالنسبة إلى أتباع ذلك الفكر، فإن تريسي أمين تعد أيقونة، أما بالنسبة للباحثين عن الجمال فإنها لن تكون سوى ظاهرة دعائية يراد من خلالها تسويق اللافن على حساب الفن الحقيقي.

صورة الضحية خارج جغرافيا الفن
يضم هذا المعرض الاستعادي صورا فوتوغرافية شخصية التقطتها الفنانة والتقطها الآخرون لها، كما أنه يضم مخطوطات مذكراتها وهي تعترف بأشد الأفعال والوقائع حميمية، بالإضافة إلى لوحاتها ومنحوتاتها وأفلامها القصيرة التي تروي جزءا من حياتها، وهناك جناح لمحترفها الذي نقل بكل ما فيه من مواد وأدوات، وفي الحديقة الخارجية عرض عمل نحتي ضخم يمثل امرأة ممددة على العشب.




