🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
210043 مقال 125 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2131 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

عميش السوالمة: العمل حتى ما بعد التقاعد

سياسة
حبر
2026/06/04 - 11:54 501 مشاهدة

في شهر أيار الفائت، زرتُ قرية «الرفاعيات» الواقعة إلى الشرق من مدينة المفرق بنحو 70 كلم، والتابعة إداريًا لقضاء دير الكهف ضمن مناطق البادية الشمالية الشرقية المجاورة للحدود مع سوريا. وأثناء حديثي مع بعض سكان القرية، سألتُ عن سرّ تلك السناسل الحجرية السوداء التي تنتشر بكثافة ملحوظة في البادية الشرقية بما في ذلك المساحات خارج المناطق السكنية، فنُصِحتُ بلقاء أحد أشهر وأقدم بنائي تلك السناسل، واسمه عميش السوالمة (أبو سلطان)، الذي لا يزال على رأس عمله رغم اقترابه من عامه التسعين.

وصلت إلى بيته لأكتشف أنه بالفعل لا يزال يعمل بانتظام في بناء الأسوار الحجرية، ووجدته بملابس العمل الذي عاد منه للتو. كان يقف منتصب القامة بشكل لافت، معمتمِرًا حطة رأس سحب جزءًا منها كلثام يغطي أغلب وجهه باستثناء المسافة بين عيونه وشاربيه. ففي البادية، وأغلب الأرياف، يخشى الناس من «بَرْد أول الصيف»، ويرون أن ما يحمي من البرد يحمي من الحر، ولهذا كان يرتدي سترة سميكة أيضًا.

عميش السوالمة أمام أحد الأسوار التي بناها وكحلها بالإسمنت.

تفيد الوثائق الرسمية لعميش بأنه من مواليد عام 1936، لكنه يرجح أن مولده كان عام 1939، فهو يقول إنه «لِبِس» عام 1957، وللفعل «لبس» هنا معنى وحيد هو الالتحاق بالجيش الذي كان عنوانه الأبرز الزي العسكري الرسمي. في ذلك الوقت كانت جميع منازل قرية الرفاعيات والقرى المحيطة بيوت الشعر، ويتذكر أن أول بيت حجر كان للراحل عواد البريك، شيخ عشيرة السوالمة المساعيد.

كان البدو الرحل يعملون في تربية الحلال ويتنقلون في شتى المواقع في جنوب سوريا وشمال الأردن وحتى السعودية. لكن أبو سلطان لم يستهوه العمل في «السراحة بالحلال» أي الرعي بالأغنام. وكان الالتحاق بالجيش كميدان عمل، قد بدأ ينتشر بين سكان المنطقة، فسعى الفتى عميش نحو ذلك بجدية، وتمكن عن طريق أحد أقربائه من الالتحاق بالجيش، وقد تحددت خدمته في مناطق الضفة الغربية حيث أمضى 10 أعوام حتى حرب حزيران 1967، ثم انتقل إلى الأغوار الأردنية، قبل أن ينتقل مجددًا عام 1969 إلى منطقة الصفاوي في البادية الشمالية قريبًا من قريته، واستمر حتى عام 1982 حين «ترمّج» من الخدمة العسكرية. وفور تقاعده، اختار عميش وكان حينها في الثالثة والأربعين من عمره، العمل في الحجر. وهو ما يعني عودته إلى الطبيعة التي ولد فيها وألفها.

عميش السوالمة أثناء العمل.

لعل أهم ما يميز قرية الرفاعيات وقوعها وسط حقول الصخور البركانية السوداء الواسعة التي تشكل ما يعرف ببادية «الحَرّة» الممتدة بين سوريا والأردن والسعودية بمساحة إجمالية تبلغ 45 ألف كلم مربع، حصة الأردن منها نحو تسعة آلاف كلم مربع، أي ما  يعادل 10% من مساحة الأردن الإجمالية. وتبدو المنطقة وكأنها مرصوفة بالكامل بقطع الصخور البازلتية بكثافات متفاوتة، ففي بعض المواقع تتخذ شكل مقاطع صخرية كبيرة، وفي أخرى تنتشر على هيئة أحجار متكسرة بأحجام متنوعة.

في هذا الجزء من البادية الشمالية، يتوزع السكان البالغ عددهم نحو 145 ألفًا على 58 قرية وتجمعًا سكانيًا، فيما يضم قضاء دير الكهف 17 قرية وتجمعًا، يسكنها نحو 15 ألف نسمة، أما عدد سكان قرية الرفاعيات نفسها فيبلغ نحو 2300 نسمة. لذلك يجد زائر المنطقة نفسه أمام مساحات واسعة تنتشر فيها قرى صغيرة متباعدة تفصل بينها أراض مغطاة بالحجارة السوداء.

منظر عام لقرية الرفاعيات.
يظهر على الرمل آثار عجل العربة التي ينقل بها عميش الحجارة.

في الأصل، لم تعرف حياة البدو أسوارًا تفصل منازلهم، وحتى خمسينيات القرن العشرين كانت المساكن عبارة عن بيوت شعر تتوزع وفق ترتيب معين لكل مجموعة قرابية صغيرة، من دون أسوار واضحة، باستثناء الفواصل الداخلية بين أجزاء بيت الشعر الواحد وملحقاته. غير أن الثقافة المحلية والتقاليد الصارمة كان توفر أسوارًا من نوع آخر يلتزم بها الجميع في سلوكهم، فهم يعرفون كيف يدخلون إلى بيوتهم وبيوت جيرانهم، ويعرفون حتى حدود النظر المسموح بها.

إلا أن تزايد الاستقرار والبدء ببناء بيوت دائمة مع تبدل استخدامات الأراضي والشروع بتوزيعها على السكان، أدى إلى تغيرات واضحة في معنى حيازة الأرض، وبدأت الحاجة لتوضيح الحدود بين ملكيات السكان من الأراضي والبيوت. وتوجد في مختلف البقاع رجوم حجارة مكدسة متاحة للجميع وتعد ملكية عامة إلى حد ما، وبإمكان من يرغب الاستفادة منها. فالمواطن الذي ينوي استصلاح أرضه يعمد إلى إزالة الأحجار منها وركنها في أكوام كبيرة (رجوم) تصبح متاحة لمن يرغب باستخدامها.

واليوم تُشترى حمولة سيارة الشحن المتوسطة (القلاب) من تلك الحجارة بعشرة دنانير، وهي لا تمثّل ثمن الحجارة بقدر ما تشكل تعويضًا لسائق الشاحنة والعاملين معه في التحميل والتنزيل. وتجلب الشاحنة قطع الحجارة الكبيرة نسبيًا التي تستخدم في بناء جانبي السور، أما الفراغات بين الحجارة الكبيرة، أي «حشوة السور»، فتُملأ بحجارة صغيرة «صرار» متوفرة في مختلف المواقع، بعضها لا يحتاج أكثر من تحريكه باليد أو دفعه بالقدم ليصبح جاهزًا للاستخدام. يرى أبو سلطان أن لكل حجر «وجهًا»، وعلى البنّاء أن يعرف وجه الحجر ليحدد مكانه الصحيح، ثم يقرر ما إذا كان بحاجة لحجر أصغر للارتكاز والتثبيت.

عميش أثناء العمل.

صباحًا يتحرك أبو سلطان إلى عمله مشيًا على الأقدام إذا كان عمله في قريته أو القرى المجاورة، وعادة ما يصطحب معه عربة يدوية ذات عجلة واحدة يدفعها أمامه، وفيها إناء للماء. ويستخدم العربة في نقل قطع الحجارة الكبيرة والثقيلة جدًا، بينما يحمل باقي الأحجار بيديه وينقلها إلى مكانها في السور.

في حديثه عن سيرته الشخصية، ينتقل عميش بين المواضيع وكأنها عنوانٌ واحدٌ. فيتحدث عن أسرته وأقاربه وعملهم في السراحة بالحلال، ثم عن التحاقه بالجيش في فترة كانت تشهد اشتباكات متواصلة مع العدو الإسرائيلي، وخاصة في قرى الحدود الأمامية في الضفة الغربية، ويتنهد قليلا وهو يستعيد إحدى تلك الحوادث حين كان في منطقة الظاهرية في الخليل عام 1965، وأطلق طلقة مدفع وحيدة كانت كفيلة بإسكات مصدر إزعاج عند العدو المتفوق كثيرًا بالامكانات العسكرية، ويتذكر أنه حصل على وسام عسكري، فقده لاحقًا في ظروف الحرب ، لكنه لا يزال مثبتًا في إضبارته.

عام 1977، وهو على مشارف الأربعين من عمره، تزوج عميش فتاةً من أقاربه تصغره بعشرين عامًا، يضحك احد أبنائه قائلًا إن والده كان يحمل والدته وهي «في اللفاع»، أي طفلة رضيعة، فقد  ولدت بعد انتسابه للجيش بسنتين أي عام 1959. وابتداء من عام 1982 بدأ عميش العمل بالحجر. اشتغل في البداية مع آخرين: «كنت أنتبه جيدًا إلى طريقة العمل وقد أتقنتها بسرعة وبدأت العمل بمفردي». والأسوار الحجرية أنواع حسب الطلب، فبعضهم يريد سنسالًا حول حدود الأرض فيكون خفيفًا من «طاق واحد» أي حجر فوق حجر، وبعضهم يريد سنسالًا دائًما، فتُبنى «رَصْفِيّة» من الحجر أسفل السور، ثم يُستكمل بناء السور فوقها، ويبلغ عرضه حوالي 60 سنتمترًا، على الجانبين صف من الحجارة الكبيرة نسبيًا، فيما تملأ الفراغات بحجارة صغيرة متوفرة دومًا في محيط العمل.

استخدامات مختلفة لسور السناسل في القرية.
أحد السناسل المحيطة ببرج اتصالات.
من السناسل الحجرية التي بناها عميش السوالمة.

مع مرور الوقت، اتسعت مهارة أبو سلطان في بناء الأسوار، فأحيانا يطلب أحدهم إقامة «خان» حجر مخصص للحلال، ما يعني أن السور يكون بارتفاع مترين على الأقل، ويكون ذلك ببناء قاعدة حجرية عريضة تضيق تدريجيًا كلما ارتفع السور قبل أن يُسقف بمواد خفيفة. أما بناء المنازل الدائمة من الحجر المقصوص الخاص فلم يمارسه، كما يقول، فله مختصون به وأغلبهم سوريون.

كما عمل في تشييد برك المياه والحفر الامتصاصية، ولها في المنطقة نظام خاص إذ تكون «مطوية بالحجر» أي مُلبسة من الداخل بسور حجري محكم.

أم سلطان زوجة عميش تستعرض مهارتها في نسج الصوف.

يحب عميش الشغل كثيرًا ولا يطيق أيام العطل، ويرغب بالاستمرار فيه حتى لو لم يكن الدخل المتحقق منه ضروريًا. وإن كان في الوقت نفسه يحقق له مردودًا يساعده على مواجهة صعوبة الحياة بعد تآكل راتب التقاعد. وعنده اليوم أسرة تضم العديد من الأبناء والبنات العاملات، أما أم سلطان فقد استعادت مهارة شعبية موروثة في غزل ونسج صوف الغنم، وتقوم بحياكة قطع الملابس وفق التقاليد المتوارثة.  

بعد إنجاز سور الحجر في الموقع المحدد، يأتي دور التطيين، بالإسمنت حاليًا وبالطين سابقًا. وفي هذه المرحلة يطلب أبو سلطان من ابنه دحّام أن يرافقه، ويقول: «دحام أنشط منّي بالتطيين».

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free