عمالنا بين مطرقة "السجن المالي" وسندان "الإهانة": قراءة في سوسيولوجيا القهر والحق الضائع
لم يكن المشهد الذي نُقل بالأمس لعمالنا في "الخط الأخضر" وهم يتخفون داخل "حاوية نفايات" مجرد محاولة عابرة للبحث عن عمل، بل كان تصويراً حياً ومؤلماً لتردي الحالة الإنسانية ووصولها إلى أدنى مستوياتها. فحياة العمال قاسية ومؤلمة، وهذا المشهد يختزل حكاية مئات آلاف العمال الذين تحولت حياتهم منذ السابع من أكتوبر من العمل بشرف وكرامة إلى المطاردة المذلة، ليجدوا أنفسهم ضحايا لواقع اقتصادي وقانوني مشوه، عجز عن معالجة ما آلت إليه الأوضاع في ظل غياب مؤسسات الحماية الاجتماعية، وانعدام الخطط البديلة للتعامل مع المستجدات التي طالت العمال ودمرت مستقبلهم المهني.
لو حاولنا تشخيص هذه الحالة في إطار الأزمة من منظور "سوسيولوجيا الاضطرار"، فإن ما دفع العامل لهذا السلوك ليس حب المغامرة، بل هو "انعدام البدائل". فالعامل الذي كان يعيل أسرته بدخل مرتفع كان يصل في المتوسط إلى(1000 شيكل يومياً) بالعمل داخل الخط الأخضر، وجد نفسه فجأة في مواجهة "صفر دخل"، وتراكم هائل للديون والالتزامات البنكية. وفي ظل سوق عمل محلي يعاني من تشوهات هيكلية وأجور متدنية لا تغطي كلفة المواصلات والاحتياجات الأساسية، أصبح العامل مطارداً بالتهديد بالسجن بسبب الذمة المالية في بيئته الاجتماعية؛ مما جعل المخاطرة بحياته وكرامته وسيلة "مبررة" للهروب من مهانة العجز عن توفير أدنى متطلبات أسرته وأطفاله من حليب وخبز.
إن ما يجري يمثل انتهاكات مركبة وواضحة لحقوق الإنسان، وضرباً بعرض الحائط لكافة المواثيق الدولية. فالحق في العمل مبدأ أساسي من مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما تنص عليه المادة (23) التي تكفل حق كل فرد في العمل وفي ظروف عادلة ومرضية. إن المنع الشامل هو "عقاب جماعي" يخالف هذا الحق، كما أن التنكيل والاعتقال المهين يضرب بعرض الحائط "اتفاقية جنيف الرابعة" التي تفرض حماية المدنيين وتمنع إهانتهم أو تعريضهم للمعاملة الحاطة بالكرامة.
إن حالة "التعطل القسري" التي يعيشها العمال لا تراعيها القوانين المحلية؛ إذ لا توجد مظلة قانونية تحميهم من الملاحقات القضائية الناتجة عن تعثرهم المالي، مما يجعلهم في حالة ضعف واستهداف مستمر. لذا، يجب أن يكون هناك تدخل عاجل ضمن استراتيجية وطنية ودولية متكاملة تقوم على المحاور التالية:
- الضغط الدولي لفتح مسارات العمل ويجب على منظمة العمل الدولية (ILO) ممارسة ضغط حقيقي على حكومة الاحتلال لضمان انسيابية وصول العمال لأماكن عملهم بكرامة، واعتبار "المنع من العمل" جريمة اقتصادية تستوجب التعويض.
- تفعيل "صندوق الحماية الاجتماعية الطارئ" لذا نجدد الدعوة للجهات ذات العلاقة والمؤسسات الدولية المانحة لدعم إنشاء صندوق خاص لتمويل ديون العمال المتعثرة وتوفير رواتب مؤقتة كبديل عن الدخل المفقود، لرفع سيف الملاحقة القانونية عن رقابهم.
- التدخل القضائي والمصرفي وذلك بإصدار مرسوم يقضي بتجميد كافة القضايا المالية والفوائد البنكية المترتبة على العمال -بسبب ظروف القوة القاهرة-لحين انتظام عملهم، وذلك لمنع سجنهم بسبب العجز المالي الناتج عن الظرف السياسي الراهن.
- التوثيق والتدويل للقضية من خلال البدء برصد وتوثيق الانتهاكات وجمع شهادات العمال الذين تعرضوا للإهانة، وتقديمها كبلاغات رسمية للمقررين الخواص في الأمم المتحدة، لتحويل قضية "عمال الحاويات" من مشهد إنساني عابر إلى ملف حقوقي دولي يضغط على الاحتلال.
أخيرا: إن العامل الفلسطيني هو عصب الاقتصاد وحارس النسيج الاجتماعي، وتركه فريسة للإذلال والجوع هو تهديد مباشر للسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي. إن كرامة هذا العامل ليست قابلة للتفاوض، وحقه في العمل هو حق مقدس يجب انتزاع حمايته بقوة القانون والضغط الدولي المستمر.





