عماد عواودة : القوة الناعمة: صراع الثقافة والوعي
•لم تعد الحروب في عصرنا أدواتها دائماً الدبابات والطائرات والجيوش ، ولا تُقاس نتائجها بعدد المدن المحتلة أو الجيوش المنهزمة ؛ فقد اكتشف العالم ، منذ زمن ، أن الطريق إلى مستقبل الأمم قد يمر أولاً عبر عق...
•من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل والوقوف عنده : « كيف تُعاد صياغة هوية المجتمعات عبر أدوات القوة الناعمة؟ » .
•أول من لفت الأنظار إلى هذا المعنى بصورة مباشرة هو المفكر السوفيتي الهارب إلى الغرب يوري بيزمينوف ، الذي تحدث عن مفهوم « التخريب الأيديولوجي » ، ورأى أن تغيير المجتمعات لا يبدأ بالاحتلال العسكري ، وإنم...
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
لم تعد الحروب في عصرنا أدواتها دائماً الدبابات والطائرات والجيوش ، ولا تُقاس نتائجها بعدد المدن المحتلة أو الجيوش المنهزمة ؛ فقد اكتشف العالم ، منذ زمن ، أن الطريق إلى مستقبل الأمم قد يمر أولاً عبر عقول أبنائها ، وأن إعادة تشكيل الوعي قد تكون أكثر أثراً من إعادة رسم الحدود .
من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل والوقوف عنده : « كيف تُعاد صياغة هوية المجتمعات عبر أدوات القوة الناعمة؟ » .
أول من لفت الأنظار إلى هذا المعنى بصورة مباشرة هو المفكر السوفيتي الهارب إلى الغرب يوري بيزمينوف ، الذي تحدث عن مفهوم « التخريب الأيديولوجي » ، ورأى أن تغيير المجتمعات لا يبدأ بالاحتلال العسكري ، وإنما بإعادة تشكيل منظومة القيم والأفكار عبر التعليم والإعلام والفنون والثقافة ، وهي عملية قد تمتد عشرين عاماً أو أكثر ؛ أي المدة اللازمة لتنشئة جيل جديد يحمل مفاهيم تختلف عن مفاهيم الجيل السابق .
وسواء اتفقنا مع بيزمينوف في جميع استنتاجاته أم اختلفنا معه ، فإن الفكرة التي طرحها تستحق النظر ؛ لأنها تنقل الصراع من ساحات القتال إلى ساحات الفكر ، وتجعل الزمن أحد أهم أدوات التغيير ، لا مجرد ظرف يمر فيه المشروع .
وليس بيزمينوف وحده من فكر بهذه الفكرة ؛ فقد تحدث المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عن « الهيمنة الثقافية » ، ورأى أن السيطرة الحقيقية تبدأ عندما تصبح أفكار النخبة المهيمنة هي الأفكار التي يتبناها المجتمع طوعاً ، ثم جاء الباحث الأمريكي جوزيف ناي ليقدم مفهوم « القوة الناعمة » ، موضحاً أن الدول تستطيع التأثير في الآخرين عبر الثقافة ، والتعليم ، والإعلام ، والفنون ، والقيم ، أكثر مما تؤثر بهم عبر القوة العسكرية وحدها .
هنا يبدأ التقاطع بين هذه الأفكار ، رغم اختلاف منطلقاتها ، فالقاسم المشترك بينها أن الإنسان هو الميدان الحقيقي للصراع ، وأن الثقافة ليست ترفاً زائداً ، إنما هي إحدى أدوات تشكيل المستقبل .
عندما ننظر إلى الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة الماضية ، نجد أن كثيراً من المصطلحات الكبرى قد طُرحت في هذا السياق ، مثل مشروع « الشرق الأوسط الجديد » ، وهو عنوان ارتبط بتصورات مختلفة لإعادة ترتيب المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً ؛ وليس المقصود هنا الجزم بوجود مشروع واحد يدير جميع الأحداث ، وإنما الإشارة إلى أن إعادة تشكيل البيئات الثقافية والاجتماعية أصبحت جزءاً من النقاش السياسي والفكري المعاصر .
كذلك برزت أفكار أخرى تداولها بعض الكتّاب ، مثل ما أطلق عليه « لبننة الشرق الأوسط » ، والمقصود ، وفق هذا الطرح ، ليس المعنى السياسي الشائع للمصطلح فقط ، بقدر ما هو انتقال أنماط ثقافية واجتماعية وإعلامية كان لبنان رائداً فيها لعقود ، مستفيداً من حضوره في الإعلام ، والغناء ، ودور النشر ، والسياحة ، والتعليم ؛ ثم ظهرت لاحقاً قراءات تتحدث عن « أتركة الشرق الأوسط » ، في إشارة إلى تصاعد القوة الناعمة التركية من خلال الدراما ، والسياحة ، والاستثمار ، والتعليم ، وما صاحب ذلك من حضور ثقافي واسع في المنطقة .
وقد يختلف الباحثون في تقييم هذه الطروحات ، لكنهم يكادون يتفقون على حقيقة واحدة ، وهي أن الأفكار لا تنتقل وحدها ، إنما تحملها أدوات متعددة ؛ كتاب ، وفيلم ، وأغنية ، ومنصة إعلامية ، ومنهج دراسي ، وجامعة ، ومؤسسة ثقافية ، وشبكات التواصل الاجتماعي ؛ ولذلك فإن التحولات الكبرى لا تحدث عادة بقرار سياسي مفاجئ ، وإنما عبر تراكمات تمتد سنوات ، وربما أجيالاً .
غير أن الوعي يقتضي أيضاً ألا نختزل كل ما يحدث في نظرية واحدة ، أو نفسر كل تحول بأنه نتاج تخطيط مركزي ؛ فالمجتمعات تتغير كذلك بفعل الاقتصاد ، والتكنولوجيا ، والهجرة ، والعولمة ، وتبدل أنماط الحياة ؛ ولهذا فإن القراءة الرصينة تميز دائماً بين ما يمكن أن يكون مشروعاً مقصوداً له أدواته ، وما قد يكون نتيجة طبيعية لتحولات العصر .
وإنَّ الخلاصة التي ينبغي أن نستقر عليها هي أن الأمم التي تمتلك تعليماً راسخاً ، وثقافة حية ، وهوية متوازنة ، وثقة بنفسها ، تكون أكثر قدرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد ذاتها ؛ أما المجتمعات التي تهمل بناء وعيها ، فإنها تترك الآخرين يكتبون قصتها نيابة عنها .
السيطرة على الأرض قد تغير حدود الدول ، أما السيطرة على الوعي فقد تغير هوية الإنسان نفسه ؛ لذلك ، فإن أخطر سؤال لا ينبغي أن يكون : « من يملك السلاح الأقوى؟ » ، بقدر : « من يملك القدرة على تشكيل العقل الذي يحمل ذلك السلاح؟ » ؛ وهناك ، في تلك المسافة الهادئة بين الفكرة والإنسان ، تبدأ أعظم التحولات في تاريخ الأمم .
« يتبع تفصيل الأفكار في منشورات لاحقة .. »
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





