علي ابو حبلة : جنين في مرمى الاستهداف
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
مصادرة الأراضي وإقامة القواعد العسكرية تمهيداً لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية.
الاحتلال ينتقل من العمليات العسكرية المؤقتة إلى فرض وقائع دائمة على الأرض.
لم تعد محافظة جنين تواجه مجرد حملة عسكرية إسرائيلية عابرة أو إجراءات أمنية مرتبطة بالوضع الميداني، بل باتت تشكل نموذجاً واضحاً لتحول استراتيجي في السياسة الإسرائيلية تجاه شمال الضفة الغربية، يقوم على الجمع بين السيطرة العسكرية المباشرة والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي الفلسطينية بهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي للمنطقة.
فالتطورات المتسارعة التي تشهدها جنين وبلدات عرابة ويعبد وزبدة ومحيطها تكشف عن انتقال الاحتلال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة فرض الوقائع الدائمة على الأرض، عبر مصادرة الأراضي الخاصة وإقامة قواعد ومواقع عسكرية ثابتة وربطها بمخططات استيطانية يجري العمل على تنفيذها في شمال الضفة الغربية.
== من مصادرة الأرض إلى تثبيت الوجود العسكري
خلال الأشهر الأخيرة أصدرت سلطات الاحتلال أوامر عسكرية بالاستيلاء على عشرات الدونمات من الأراضي الفلسطينية في محيط يعبد وزبدة جنوب غرب جنين بذريعة «الأغراض العسكرية»، مع سريان تلك الأوامر حتى نهاية عام 2028، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من تحويل هذه المصادرات المؤقتة إلى واقع دائم يخدم إقامة قواعد عسكرية أو مشاريع استيطانية مستقبلية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن ما يجري لا يقتصر على وضع اليد على الأراضي، بل يترافق مع أعمال تجريف وشق طرق عسكرية وإخلاء لمناطق سكنية وزراعية، خاصة في محيط ما يعرف بـ»معسكر عرابة» أو «معسكر دوتان» الذي أخلي عام 2005 ضمن خطة الانفصال الإسرائيلية، قبل أن تبدأ اليوم محاولات إعادة تفعيله واستعادة السيطرة عليه عسكرياً.
وتكمن خطورة هذه التطورات في أن إعادة إنشاء قواعد عسكرية ثابتة في محيط جنين لا تحمل بعداً أمنياً فقط، بل تمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تأمين التوسع الاستيطاني المستقبلي وإحكام السيطرة على الطرق والمحاور الحيوية التي تربط شمال الضفة الغربية بوسطها.
== جنين في قلب مشروع استيطاني جديد
القراءة السياسية لما يجري تكشف أن جنين أصبحت هدفاً مركزياً لمشروع إسرائيلي أوسع يسعى إلى إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية في شمال الضفة الغربية.
فالحديث الإسرائيلي المتزايد عن إعادة تنشيط المستوطنات التي أُخليت عام 2005، وفي مقدمتها مستوطنة «سانور»، يترافق مع خطوات ميدانية تهدف إلى فرض حزام أمني وعسكري حول المنطقة، بما يهيئ البيئة المناسبة لعودة النشاط الاستيطاني وتوسيعه مستقبلاً.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث في جنين عن القرارات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بالأراضي في الضفة الغربية، والتي تمنح سلطات الاحتلال أدوات قانونية وإدارية جديدة للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت مسميات «أراضي دولة» أو «احتياجات أمنية».
وتحذر مؤسسات حقوقية إسرائيلية ودولية من أن هذه السياسات تمثل شكلاً من أشكال الضم التدريجي الفعلي للضفة الغربية، عبر نقل السيطرة من الاحتلال العسكري المؤقت إلى السيطرة المدنية والاستيطانية طويلة الأمد.
== أبعاد قانونية خطيرة
من الناحية القانونية، فإن مصادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة لأغراض استيطانية أو لإقامة منشآت عسكرية دائمة تتعارض بصورة مباشرة مع أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.
وتنص المادة 49 من الاتفاقية على حظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، فيما تؤكد قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة، وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 2334، أن المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية ولا تمتلك أي أثر قانوني. كما أن الاستيلاء على الممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي التي تحظر تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
وتزداد الخطورة عندما تمتد الإجراءات الإسرائيلية إلى مناطق يفترض أنها خاضعة للولاية الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو، الأمر الذي يعكس توجهاً لإعادة تعريف حدود السيطرة الميدانية بعيداً عن أي التزامات سياسية سابقة.
== ما الذي تريده إسرائيل من جنين؟
تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن استهداف جنين يحمل عدة أهداف متداخلة:
أولاً: تفكيك البيئة الجغرافية التي تشكل عمقاً وطنياً وديموغرافياً في شمال الضفة الغربية.
ثانياً: إنشاء شبكة من القواعد والمواقع العسكرية الدائمة تسمح بالتحكم بالمحاور الرئيسية والطرق الرابطة بين محافظات الشمال.
ثالثاً: تهيئة الأرضية المناسبة لتوسيع النشاط الاستيطاني وإعادة إحياء المستوطنات المخلاة.
رابعاً: فرض وقائع سياسية جديدة تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً، عبر تقليص المساحات المتاحة للدولة الفلسطينية المنشودة.
خامساً: تعزيز مشروع الضم الزاحف الذي تتبناه قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف، والذي يقوم على توسيع السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الضفة الغربية دون إعلان رسمي للضم.
== معركة الأرض والوجود
ما يجري في جنين اليوم يتجاوز حدود المواجهة الأمنية التقليدية، فهو صراع على الأرض والحدود والهوية ومستقبل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.
فمصادرة الأراضي وإقامة القواعد العسكرية وتوسيع النفوذ الاستيطاني ليست إجراءات منفصلة، بل حلقات ضمن مشروع متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يخدم الرؤية الإسرائيلية طويلة المدى.
ولهذا فإن معركة جنين لم تعد معركة مدينة أو محافظة فحسب، بل أصبحت عنواناً لمعركة الأرض الفلسطينية بأكملها، في ظل تسارع غير مسبوق للمخططات الاستيطانية ومحاولات فرض وقائع جديدة قد يكون من الصعب التراجع عنها مستقبلاً.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تحرك فلسطيني قانوني ودبلوماسي وسياسي شامل لتوثيق الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها أمام المؤسسات والمحاكم الدولية، بالتوازي مع تعزيز صمود المواطنين وحماية الأراضي المهددة بالمصادرة، باعتبار أن الأرض ستبقى جوهر الصراع وعنوان الحقوق الوطنية الفلسطينية.




