🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
880,704 مقال 404 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 4,109 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

«عقيدة سانشيز»: لماذا تستطيع إسبانيا أن تقول لأمريكا «لا»؟

سياسة
حبر
2026/05/10 - 12:17 507 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis
جاري تحليل المقال...

تبدو إسبانيا خلال العامين الأخيرين حالة شاذة داخل الإجماع الغربي. خلال فترة قصيرة اعترفت مدريد بالدولة الفلسطينية، وأعلنت بوضوحٍ أن ما تقوم به «إسرائيل» في غزة إبادة جماعية، واستخدمت حق النقض ضد استخدام القواعد العسكرية الأمريكية لشنّ هجوم على إيران، وأغلقت المجال الجوي أمام الطائرات الحربية الأمريكية، ثم سافر رئيس حكومتها بيدرو سانشيز إلى بكين لتوقيع 19 اتفاقية ثنائية مع الرئيس شي جين بينغ. ما قام به سانشيز، في جذريته ومحدودية هامشه الزمني، ربما يكون أهمّ عملية إعادة تموضع دبلوماسي قامت بها أي حكومة أوروبية في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

واللافت أن ما يجعل موقف إسبانيا مميزًا من الناحية التحليلية ليس ظاهره المناهض للحرب -فقد تذبذبت الدول الأوروبية تاريخيًا بين الخضوع والتحدي تجاه واشنطن- بل تماسكه وعمقه وتعدد أبعاده. فسواء تعلّق الأمر بفنزويلا أو غرينلاند أو غزة أو أوكرانيا أو إيران، ظل موقفها ثابتًا، ساعيًا باستمرار للدفاع عن السيادة والعمل متعدد الأطراف وسيادة القانون الدولي. وهذا التناسق يعكس تلاقي الذاكرة التاريخية، والحسابات السياسية الداخلية، والتموضع الاقتصادي الهيكلي، ورؤية راسخة -وإن كانت ملائمة استراتيجيًا- لنظام عالمي متعدد الأقطاب. 

كما لا يمكن تجاهل الظل الثقيل لحكومة خوسيه ماريا أثنار عام (2003)، والتي شكّل قرار انضمامها إلى «تحالف الراغبين» الذي أسسه جورج بوش ودعم غزو العراق، درسًا أساسيًا في السياسة الإسبانية ما بعد فرانكو، حيث مثل انخراط مدريد في الحرب حلقة فارقة لا تزال تؤثر في المواقف العامة تجاه التدخل العسكري الأجنبي. فقد كان قرار أثنار حينذاك متعارضًا جذريًا مع الإرادة الشعبية الرافضة للحرب، والتي تجلت في شوارع المدن الإسبانية من خلال مظاهرات مليونية. لذلك فإن سانشيز لم يكن يعبّر ببساطة عن اعتراض مبدئي على السياسة الخارجية الأمريكية بشكل مجرد، بل يخشى الوقوع في فخ أثنار، وذلك في سياق تبدو فيه أوجه التشابه الهيكلية قائمةً بين 2003 و2026.

درع مدريد الهيكلي

عندما أجبر الرئيس الأمريكي حلفاءه الأوروبيين في قمة الناتو في لاهاي العام الماضي على زيادة الإنفاق الدفاعي السنوي إلى 5% من الناتج الإجمالي السنوي، رفضت إسبانيا ذلك. وعندما رفضت مدريد السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد المشتركة في مورون وروتا لضرب إيران، هدد ترامب بفرض حظر تجاري كامل على إسبانيا. فكان ردّ سانشيز من خلال خطاب ذكّر فيه الإسبان بـ«ثلاثي جزر الأزور» – جورج دبليو بوش وتوني بلير وخوسيه ماريا أثنار – الذين التقوا في قاعدة برتغالية في المنطقة قبل أيام من غزو العراق. وقال إنهم قدموا للأوروبيين «هدية» تتمثل في «عالم أكثر انعدامًا للأمان وحياة أسوأ». لكن هذا التحدي القوي والمعلن لواشنطن يمكن أن يؤدي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة على أي بلدٍ أوروبي غربي.

ربما يبدو أهمّ جانبٍ في موقف إسبانيا من السياسة الخارجية، والذي لا يحظى بالتقدير الكافي، هو وضعها الاقتصادي الهيكلي. فتحدّي مدريد لواشنطن مدعومٌ بتكوينٍ محدّدٍ من العلاقات التجارية يجعل تكلفة «غضب» الولايات المتحدة أقلّ بكثير بالنسبة لإسبانيا مقارنةً بمعظم نظيراتها الأوروبية. فقد أظهرت دراسة أجراها بنك إسبانيا أن صادرات وواردات إسبانيا من الولايات المتحدة تمثل 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت نسبة التبادل التجاري مع الولايات المتحدة بالنسبة للاتحاد الأوروبي ككل 10.1%. وشكّلت صادرات السلع الإسبانية إلى الولايات المتحدة 1% من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، أي ما يعادل 18.6 مليار دولار أمريكي، مما يجعلها في المركز السادس في قائمة أسواق تصدير السلع الإسبانية. ولا تتضح أهمية هذا الرقم إلا في سياق المقارنة. حيث تُصدّر كل من ألمانيا وإيطاليا مثلًا نحو 10% من صادراتهما إلى الولايات المتحدة، بينما تُصدّر فرنسا ما يقارب 9%. 

يُعدّ هذا التفاوت الهيكلي، من الناحية الجيوسياسية، شكلاً من أشكال المرونة الاستراتيجية. فعندما هدد ترامب بـ«قطع التجارة مع إسبانيا»، كان يهدد عمليًا دولة بلغ إجمالي تجارتها السلعية مع الولايات المتحدة حوالي 47 مليار دولار في عام 2025، وذلك في إطار علاقة ثنائية حققت فيها الولايات المتحدة فائضًا تجاريًا للعام الرابع على التوالي بلغ 4.8 مليار دولار، حيث بلغت صادرات واشنطن 26.1 مليار دولار ووارداتها 21.3 مليار دولار. وبالتالي فإن واشنطن ستكون الطرف الخاسر من عملية قطع التجارة بين الطرفين. والأهم من ذلك، أن أي إجراء من هذا القبيل كان سيواجه تعقيدات قانونية فورية، فبما أن إسبانيا جزء من السوق الموحدة الأوروبية، فإن السياسة التجارية تُتفاوض على مستوى الاتحاد الأوروبي. وتُعدّ التعريفات الجمركية والاتفاقيات التجارية من اختصاص الاتحاد الأوروبي، وليس من اختصاص الدول الأعضاء بشكل منفرد. وبالتالي كان تهديد ترامب فارغًا من أي فاعلية، وهي حقيقة أدركها سانشيز على الأرجح عندما اختار المواجهة.

وقد عززت قوة الاقتصاد المحلي الإسباني هذا الموقف. حيث يقدر صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الإسباني من بين الاقتصادات الأقل تأثرًا بالحرب التجارية في الاتحاد الأوروبي. ففي مقابل كل زيادة قدرها 10 نقاط في الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على الاتحاد، قد ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا على المدى القصير والمتوسط بنسبة 0.1 نقطة مئوية فقط. في غضون ذلك، أظهر المسار الاقتصادي الكلي لإسبانيا في عام 2025 مرونةً لافتةً للنظر، حيث نما بأكثر من ضعف معدل نمو منطقة اليورو، مدفوعًا بالطلب المحلي الناتج عن سوق عمل نشط وانخفاض أسعار الفائدة وتدفقات الهجرة والصناديق الأوروبية. وقد عوضت هذه العوامل الأثر السلبي لزيادة الرسوم الجمركية الأمريكية على صادرات السلع، بل وتجاوزته. فنموذج النمو الإسباني، الذي يعتمد بشكل كبير على الطلب المحلي، ويتجه بشكل متزايد نحو الخدمات، كان أقل عرضة بطبيعته لتقلبات التجارة عبر الأطلسي مقارنةً باقتصاد ألمانيا الصناعي كثيف التصدير. ورغم أن حكومة سانشيز لم تخلق هذه الميزة الهيكلية، لكنها نجحت في توظيفها، واستندت إليها باستمرار لتعزيز موقفها. وكانت الحسابات، التي تجلت بوضوح في مواجهة إيران عام 2026، أن إسبانيا قادرة على استيعاب التكاليف المتعلقة بالتجارة نتيجة استياء الولايات المتحدة بكلفة مقبولة. في المقابل كانت دول مثل ألمانيا وإيطاليا تواجه تكاليف عالية.

وربما يكون أوضح تعبير عن العقيدة الاستراتيجية الإسبانية الناشئة، تعميقها المستمر والمتعمد للعلاقات مع الصين، والتي كانت زيارة سانشيز إلى بكين في نيسان الفائت إحدى تجلياتها، وهي الزيارة الرابعة له للصين في غضون ثلاث سنوات. خلال لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، أكد سانشيز بدء «حوار استراتيجي» مع بكين، وشدد على ضرورة أن تنظر الصين إلى إسبانيا وأوروبا كــ«شركاء» في الاستثمار والتعاون. ومن بين تسعة عشر اتفاقية ثنائية أُعلن عنها، ارتبطت اثنتا عشرة اتفاقية منها بالاقتصاد، وهدفت إلى تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين. أما خلال حديثه في جامعة تسينغهوا، فقد دافع سانشيز عن ضرورة بناء علاقات تجارية «متوازنة ومتبادلة» بين الصين وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ودعا إلى النظر إلى السياق الدولي الجديد على أنه «تعدد لأقطاب» القوة والازدهار، بدلًا من مجرد تتابع بسيط للهيمنة.

والبُعد الاقتصادي لهذا التحول ملموس وقابل للقياس. فقد ظلت الصين أكبر شريك تجاري لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي لسنوات عديدة. وفي عام 2025، تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي في السلع بين الصين وإسبانيا 55 مليار دولار، مسجلًا بذلك زيادة سنوية قدرها 9.8%. وأشار سانشيز إلى أن «الاتفاقيات التي وقعت في عام 2025 ساهمت في نمو الصادرات الإسبانية إلى الصين بأكثر من 7% في عام واحد فقط»، معترفًا في الوقت نفسه بالاختلال الهيكلي في الميزان التجاري الذي لا تزال إسبانيا تواجهه. وتكشف القطاعات المستهدفة في استراتيجية الصين بدقة عن المنطق الاقتصادي الإسباني متوسط المدى. ويُشكّل توسيع الصادرات الزراعية إلى الصين، وجذب رؤوس الأموال الصينية إلى قطاعي الطاقة والسيارات، وتأمين إمدادات المواد الخام الأساسية والعناصر الأرضية النادرة، الأهداف الاقتصادية الرئيسية لزيارة سانشيز. وبالمقارنة مع الزيارات السابقة، تتضمن هذه الزيارة عدة سمات بارزة، إذ يُعطي برنامجها الأولوية للتكنولوجيا والابتكار والتعاون التعليمي، بما في ذلك لقاءات مع شركات التكنولوجيا وزيارة مقر شركة شاومي. كما يعكس هذا إدراك إسبانيا أن تحولها نحو الطاقة النظيفة، وهو تحول لافت، حيث يتم توليد أكثر من نصف كهرباء البلاد من مصادر متجددة، ما يخلق تبعية هيكلية لسلاسل التوريد الصينية لألواح الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وتكنولوجيا البطاريات، والمعادن الأرضية النادرة، وهي تبعية لا يمكن تجاهلها. ويُفترض، وفقًا لهذا المنطق، أن إدارة هذه التبعية من خلال علاقة دبلوماسية فعّالة أفضل من تركها قائمة دون دعم استراتيجي.

رحلة البحث عن التوازن 

لا توجد عقيدة نظرية مكتوبة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تؤلف سياسته الخارجية، غير السائدة أوروبيًا وغربيًا، ولكن ملامحها العامة تبدو واضحةً في سياسته العملية، ويمكن تلخيصها في مبدأ السيادة متعددة الأقطاب، وهو توجه في السياسة الخارجية يقوم على الاعتقاد بأن الدول متوسطة الحجم تُعظّم أمنها وازدهارها برفض الانحياز إلى أي قوة مهيمنة منفردة، والالتزام المبدئي بالقانون الدولي كعامل لموازنة القوى، وتنمية علاقات اقتصادية ودبلوماسية متنوعة عبر مراكز القوى المتنافسة. وهي ليست عقيدة جديدة، بل لها جذور عميقة في حركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة، وفي رؤية ديغول للاستقلال الاستراتيجي الفرنسي، وفي تقاليد السياسة الخارجية لدول أوروبية أصغر حجمًا كالسويد والنمسا وأيرلندا. لكن الجديد هو تطبيقها من قبل دولة عضو رئيسية في حلف الناتو، وفي ظل إدارة أمريكية لا تشبه أي إدارة سابقة من حيث شعبويتها وكسرها لجميع القواعد مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. 

لكن هل يمكن تعميم نهج إسبانيا على بقية الدول الأوروبية؟ تختلف الإجابة باختلاف الدولة الأوروبية المعنية، لأنّ الظروف الهيكلية التي مكّنت إسبانيا من تبنّي هذا الموقف، كقلة انكشافها التجاري على الولايات المتحدة، ومرونتها الاقتصادية الداخلية، وثقافتها العامة المناهضة للحرب تاريخيًا، وائتلافها الحاكم ذي الميول اليسارية، لا تتوافر بشكل موحد في جميع أنحاء القارة. 

في مطلع عام 2026، كان القادة الأوروبيون يأملون في طي صفحة عامٍ مُذلٍّ من «الاسترضاء» لإدارة ترامب. ففي عام 2025، سعت الحكومات الأوروبية جاهدةً لتجنب المواجهة أو التصعيد مع واشنطن، حتى مع ازدياد عدائية السياسة الأمريكية تجاه حلفائها. ولم تكن استراتيجية أوروبا آنذاك سوى عملية تهدئة. إلا أنه بحلول مطلع عام 2026، بدا أن هذا النهج آخذٌ في التغير. توجد اليوم مؤشرات على تحول أوروبي في هذا الاتجاه، لكنها متفاوتة. ففيما يتعلق بالحرب الإيرانية، رفض القادة الأوروبيون مطالب ترامب بالمساعدة في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وحتى الحكومة الإيطالية اليمينية حليف ترامب في القارة، بقيادة جورجيا ميلوني، اتخذت موقفًا حازمًا ضد التورط بشكل أعمق مع كل من الولايات المتحدة و«إسرائيل». 

ربما تكون فرنسا المرشح الأنسب للتقارب مع إسبانيا. حيث لطالما دافع ماكرون عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وكان موقفه الخطابي بشأن الحرب الإيرانية أقرب إلى مدريد منه إلى برلين أو لندن. وتظل الدول التي يُرجّح أن تحذو حذو إسبانيا هي تلك التي تتشارك معها في بنيتها الهيكلية، من حيث الانكشاف المحدود على التجارة مع الولايات المتحدة، واقتصادات ذات طلب محلي قوي، ومجتمعات مناهضة للحرب تاريخيًا، وائتلافات حاكمة تعتمد على دعم برلماني من اليسار أو يسار الوسط. وقد تجد دول الشمال، ولا سيما النرويج (خارج الاتحاد الأوروبي) والسويد، التي انضمت مؤخرًا إلى حلف الناتو ولكنها تتمتع بتقاليد راسخة في السياسة الخارجية المستقلة، عناصر من النموذج الإسباني جذابة، خاصةً فيما يتعلق بالبعد القانوني متعدد الأطراف. أما في الأطراف الجنوبية للاتحاد الأوروبي، فإن علاقة اليونان المعقدة مع كل من حلف الناتو وتركيا تخلق مجموعة مختلفة من القيود، لكن الرأي العام في أثينا كان مناهضًا للحرب باستمرار، وقد نأت الحكومة بنفسها عن التأييد الكامل للعمليات الأمريكية «الإسرائيلية».

حدود النموذج

في المقابل لا يخلو النموذج الإسباني لمواجهة الهيمنة الأمريكية من تناقضاته الداخلية وحدوده الهيكلية. حيث لا تزال إسبانيا تستضيف قاعدتيْ روتا ومورون البحريتين والجويتين، اللتين تُعدّان من أهم المنشآت العسكرية الأمريكية ذات الأهمية الاستراتيجية في أوروبا. ولا تزال اتفاقية القواعد الثنائية سارية المفعول. أما حظر الأسلحة المفروض على «إسرائيل»، فرغم كونه واقعيًا، فقد وُجّهت إليه انتقادات بسبب ثغراته.

كما أن استدامة نموذج سانشيز سياسيًا على الصعيد الداخلي أمرٌ غير مؤكد. حيث ستُجرى الانتخابات في عام 2027، ومن السابق لأوانه التنبؤ بما إذا كانت الحرب في إيران ستؤثر إيجابًا على شعبية سانشيز في صناديق الاقتراع. ورغم أن الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه قد حقق مكاسب طفيفة في استطلاعات الرأي بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذه المكاسب لم تكن كافية لإحداث تغيير في التوازن السياسي العام. وفي حال خسر سانشيز الانتخابات المقبلة، وعاد الحزب الشعبي -الذي كان تاريخياً أكثر ميلاً إلى التوجه الأطلسي- إلى السلطة، فقد ينهار هذا البناء الاستراتيجي برمته بسرعة مذهلة. فالسياسة الخارجية الإسبانية، على الرغم من تماسكها الظاهري، هي في نهاية المطاف نتاج ائتلاف حاكم معين في لحظة تاريخية معينة. ولا يزال ترسيخها كعقيدة وطنية ثابتة بدلًا من كونها موقفًا حزبيًا أمرًا غير مؤكد.

علاوة على ذلك، تنطوي العلاقات مع الصين على مخاطرها الخاصة. فقد أدى تحول إسبانيا نحو الطاقة المتجددة إلى تعميق اعتمادها على التكنولوجيا والمواد الصينية، لاسيما في توفير المواد الخام الأساسية، والألواح الشمسية، وغيرها من التقنيات الخضراء الضرورية لاستراتيجيتها في مجال الطاقة. وقد عزز هذا الترابط مصلحة مدريد في الحفاظ على علاقات مستقرة مع بكين. لكن هذا يخلق أيضًا شكلًا جديدًا من التبعية الاستراتيجية التي يُفترض أن تتجنبها التعددية القطبية. وبالتالي يتحول تنويع التبعية من الولايات المتحدة إلى الصين من استراتيجية، إلى مجرد تناوب في التبعية.

ومع ذلك، فإن أهمية الموقف الإسباني تتجاوز في نهاية المطاف مضمونه المباشر، فهي تتجاوز غزة وإيران، وتتجاوز بنود الاتفاقيات الثنائية مع بكين. لأنها تُظهر أن بإمكان دولة أوروبية عضو في حلف الناتو أن تتحدى مواقف الولايات المتحدة بشأن قضايا جوهرية تتعلق بالحرب والسلام دون أن تُدمر، ودون أن ينهار اقتصادها، ودون أن تفقد ثقة شعبها. ولعل هذا الأثر العملي هو أهم إسهام تقدمه إسبانيا في صياغة قواعد السياسة الخارجية الأوروبية.

لكن السؤال الأعمق، الذي يفرضه موقف إسبانيا بوضوح غير مسبوق على الأجندة الأوروبية، هو ما إذا كان الاتفاق الأطلسي الذي أُبرم بعد عام 1945، والذي تم بموجبه شراء الأمن الأوروبي على حساب التبعية الاستراتيجية لواشنطن، لا يزال قابلًا للاستمرار في عصر تخلت فيه واشنطن نفسها عن العديد من القواعد التي منحت ذلك الاتفاق شرعيته. فالعالم متعدد الأقطاب الناشئ وإدارة ترامب يجعلان من الملحّ أكثر من أي وقت مضى أن تعيد أوروبا تموضعها ضمن النظام العالمي المتطور وأن تصبح فاعلًا جيوسياسيًا مستقلًا. وإسبانيا، على الرغم من كل تناقضاتها واضطراباتها الداخلية، هي من بين الدول القليلة التي بدأت في الإجابة عن هذا السؤال بشيء أكثر من مجرد الخطابات.

المصدر: حبر | Source: حبر

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن سياسة | More on Politics

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم سياسة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Politics. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر. Tags: Spain, US relations, foreign policy.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free