اختار عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك والقيادي بحزب الاستقلال، أن يفتح النار على حكومات قادها حزب العدالة والتنمية بين 2011 و2021، محملاً إياها مسؤولية ما وصفه بهدر الزمن التنموي والتأخر في إنجاز عدد من المشاريع المرتبطة بالماء في سوس ماسة.
غير أن هذا الهجوم السياسي يفتح، في المقابل، باباً واسعاً أمام ذاكرة سياسية لا تنفع معها حملات الانتخابات ولا إعادة كتابة الماضي وفق مقتضيات اللحظة.
فعبد الصمد قيوح لا يتحدث عن تجربة بعيدة عن محيطه السياسي، بل كان بنفسه عضواً في حكومة “البيجيدي”، وشغل فيها منصب وزير الصناعة التقليدية، ولذلك فإن تقديم المرحلة السابقة باعتبارها مجرد مسؤولية لحكومات العدالة والتنمية، من دون وضعها في سياق الحكومات المتعاقبة والمسؤوليات المشتركة، يبدو أقرب إلى انتقائية سياسية تخدم الخطاب الانتخابي أكثر مما تخدم الحقيقة التنموية.
والأكثر إثارة في خطاب قيوح هو أن الرجل الذي يتحدث اليوم بلهجة هجومية عن عبد الإله بنكيران وحزبه، ليس غريباً عن مرحلة كان فيها الخطاب السياسي تجاه بنكيران مختلفاً تماماً، فقد كان عبد الصمد قيوح في مناسبات سابقة شديد التقرب من رئيس الحكومة آنذاك، ولم يكن يقدم بنكيران للرأي العام باعتباره المسؤول عن كل أعطاب التدبير الحكومي، كما يحاول تصوير الأمر اليوم في سياق المعركة الانتخابية.
وهنا تظهر إحدى أكثر صور الانتهازية السياسية وضوحاً، فعندما يكون بنكيران رئيساً للحكومة وميزان القوة السياسي في اتجاه معين، تصبح العلاقة معه لغة تقدير وتقارب ومديح؛ وعندما تتغير الحسابات الانتخابية وتصبح مهاجمته ورقة مفيدة، يتحول الرجل نفسه إلى عنوان للفشل والهدر.
السياسة حق في الاختلاف، ومن الطبيعي أن ينتقد قيوح حكومة سابقة وأن يحملها مسؤولية قرارات يراها خاطئة. لكن المصداقية السياسية تقتضي أن يكون النقد منسجماً مع المواقف السابقة، لا أن تتغير المواقف جذرياً كلما تغيرت موازين القوة.
أما الحديث عن الماء في سوس ماسة، فهو أخطر من أن يتحول إلى مجرد ذخيرة انتخابية ضد حزب العدالة والتنمية.
إذا كان هناك برنامج أعد منذ سنة 2009، وكانت الدراسات قد كشفت عن عجز مائي يتراوح بين 800 و900 مليون متر مكعب، وكانت الحاجة إلى تعلية سد أولوز وتحلية مياه البحر معروفة منذ سنوات، فإن مسؤولية معالجة هذا الملف لا يمكن اختزالها في حكومة واحدة أو حزب واحد. إنها مسؤولية متراكمة للدولة والحكومات والقطاعات والمؤسسات والمنتخبين الذين تعاقبوا على تدبير الملف، وقيوح نفسه جزء من هذه المنظومة السياسية، وليس مراقباً من خارجها.
لقد كان عبد الصمد قيوح وزيراً في حكومة شارك فيها حزب الاستقلال، كما كان لحزبه موقعه داخل مؤسسات الدولة ومجالسها المنتخبة، وبالتالي فإن تقديم نفسه اليوم باعتباره صوتاً اكتشف فجأة خطورة “هدر الزمن التنموي” يطرح مشكلة في الاتساق السياسي.
فإذا كان التأخر في مشاريع الماء كارثياً إلى هذه الدرجة، فإن المسؤولية السياسية لا تبدأ عند بنكيران وتنتهي عنده، بل تمتد إلى كل من كان في موقع القرار أو التأثير أو التمثيل خلال السنوات التي عرف فيها الملف هذه التأخيرات.
والأمر نفسه ينطبق على قيوح نفسه، فمن الصعب المطالبة بمحاسبة الآخرين على التأخر، بينما يتم تجاهل مسؤولية المرحلة التي كان فيها الحزب الذي ينتمي إليه مشاركاً في تدبير الشأن العام.
ثم إن المفارقة لا تتوقف عند بنكيران. فقيوح الذي يرفع اليوم سقف الخطاب ضد خصومه السياسيين، سبق أن أظهر مرونة سياسية كبيرة تجاه رؤساء حكومات وفاعلين سياسيين عندما كانت مصلحة موقعه الوزاري والحزبي تقتضي ذلك.
وهذا ما يجعل المتابع أمام صورة السياسي الذي يتكيف مع موازين القوة أكثر مما يتمسك بموقف سياسي ثابت.
فحتى علاقته الحالية بأخنوش تقدم مثالاً على ذلك. فقد عُرفت بين الرجلين منافسة سياسية قوية في سوس، قبل أن يجد قيوح نفسه داخل الحكومة تحت قيادة أخنوش، فيتحول خطاب المواجهة إلى خطاب أكثر هدوءاً وانضباطاً تجاه رئيس الحكومة، بل وخوف أحيانا من ردة فعل “سي عزيز” وهي مفارقة تكشف كيف يمكن للموقع الوزاري أن يعيد ترتيب التحالفات والخصومات بسرعة مذهلة.
ومن حق عبد الصمد قيوح أن ينتقد بنكيران، ومن حقه أن ينتقد حكومة العدالة والتنمية، لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يضع هذا النقد داخل سياقه الكامل، وأن يتذكر أن السياسي لا يستطيع أن يختار من ماضيه ما يناسب حملته الانتخابية ويخفي ما لا يناسبها.



