وقد أثارت هذه الانتفاضة الفنية، من جهة، تساؤلات عميقة حول جذور الإبداع المعاصر في السعودية والتوتر القائم بين التعبير الفني الأصيل، ومن جهة أخرى، حول كون هذه الانتفاضة ولادة طال مخاضها لعقود، ولم تكن مجرد ابنة اللحظة الراهنة.

صحيح أن المعايير الدينية والاجتماعية الصارمة رسمت مسارا مغايرا لتطور الفنون، حيث منحت الأولوية للاستقرار والحفاظ على التقاليد على حساب التجريب والابتكار، إلا أن نزعة التحديث كانت كامنة في نفوس الفنانين السعوديين. ويعد عبد الناصر غارم من أبرز الأمثلة على فنانين لم يأتوا من فراغ، بل انبثقوا مباشرة من رحم الفن السعودي التقليدي. ولا يمكن إغفال أن فكرة ولادة فنان من بيئة تقليدية لا تستسيغ الفن، ومن سيرة حياة تبدو في ظاهرها نقيضا لعالمه، تشكل عنصرا داعما لفكرة جوهرية مفادها أن الفن لا يمكن وأده، وأنه سيطفو إلى العلن عاجلا أم آجلا، مستفيدا حتى من الظروف التي قد ينظر إليها بوصفها معادية للفن.
يكفي الاطلاع على خلفية الفنان عبد الناصر غارم للتأكد من وجاهة ما ذكر آنفا، إذ جمع في مسيرته بين عالمين متباينين إلى حد بعيد، هما المؤسسة العسكرية والفن المعاصر. وقد شكل تحوله من ضابط إلى أحد أبرز الفنانين المفاهيميين مثلا دالا على حتمية بروز الموهبة الفنية مهما طال زمن احتجابها. وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن هذا الازدواج في الهوية قد أتاح له منظورا فريدا لمساءلة مفاهيم الانضباط والسلطة وحرية التعبير.
توازن
دخل غارم إلى عالم الفن وهو على وعي بالتحديات التي سيواجهها، وفي مقدمتها السعي إلى تحقيق توازن بين التوجهات الفنية العالمية، والتراث المحلي العريق، وتطلعات مجتمع يمر بمرحلة تحول. وإذا كان الفنان التشكيلي السعودي التقليدي قد تناول رموزا مألوفة مثل اليمامة البيضاء والحصان والخط العربي والمساحات المفتوحة، فإن هذا الفنان تعامل مع هذه العناصر بذهنية ورؤية فنية مغايرة.
يقول غارم في حديث مقتضب معه: "أرى أن دور الفن في عصرنا الحالي يتجاوز كونه ممارسة جمالية أو أداة تعبير، ليصبح فعلا تأمليا يشتبك مع الأسئلة الوجودية العميقة التي يعيشها الإنسان اليوم. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث يتراكم التاريخ في الذاكرة الفردية والجماعية، يصبح الفن مساحة ضرورية لإعادة التفكير في ذواتنا وفي علاقتنا بالعالم. الفن ليس محاولة لتجميل الواقع، بل وسيلة لمواجهته والتفاوض معه، أي محاولة تعديل ما فرض علينا عبر الفهم وإعادة الصياغة. وهو اشتغال على ما أسميه 'الوعي الشقي'، ذلك الوعي المثقل بالتناقضات وبالإحساس بالغبن التاريخي المتخيل، والذي يشكل أحد أسباب تعاستنا المعاصرة حين يبقى بلا لغة أو مساءلة".
يضيف: "من هنا، أؤمن بأن الفن يمكن أن يساهم في نوع من الشفاء عبر الوعي، من خلال تحويل الألم إلى سؤال، والصمت إلى لغة، والذاكرة المثقلة إلى مادة للتأمل...".











