عبد الله يوسف الحميدي : كوكبة BTEC القادمة ليست دفعة تقليدية!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في الوقت الذي يشهد فيه الأردن تحولات نوعية في مسارات التعليم والتدريب المهني والتقني، تبرز اليوم تجربة تعليمية حديثة بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح داخل المدارس الأردنية؛ وهي تجربة التعليم المهني والتقني بالشراكة مع شركة "بيرسون" البريطانية وبرامج BTEC، والتي جاءت ضمن رؤية وطنية طموحة لتطوير التعليم وربطه الحقيقي والفعلي بسوق العمل.
وقد وقّعت وزارة التربية والتعليم الأردنية، ممثلة بمعالي الدكتور عزمي محافظة، اتفاقية التعاون مع شركة بيرسون العالمية لإدخال برامج BTEC إلى المدارس الأردنية، في خطوة اعتُبرت من أهم خطوات تحديث التعليم التقني والمهني في المملكة، انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، الذي أكد مرارًا أهمية انخراط الشباب في التعليم التقني والمهني، وبناء جيل يمتلك المهارات الحقيقية القادرة على مواكبة متطلبات العصر وسوق العمل الرقمي والمتغير.
واليوم، وبعد ثلاث سنوات من تطبيق هذا النظام في المدارس الأردنية، استطيع القول بثقة كمعلم لمسار تكنولوجيا المعلومات في هذا البرنامج: الجامعات الأردنية على موعد مع دفعة مختلفة تمامًا عن أي دفعة سابقة.
إنها ليست مجرد دفعة نجحت في امتحانات تلقينيه أو مدرسية تقليدية، بل كوكبة من الطلبة الذين تدربوا عمليًا، وفكروا بطريقة هندسية برمجية، واكتسبوا مهارات حقيقية في البحث، والتحليل، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والتطبيق العملي المباشر.
ومن خلال معايشتي اليومية للطلبة ومتابعتي الحثيثة لهم عبر رحلتهم الممتدة من الصف العاشر، مرواً بالصف الحادي عشر، ووصولاً إلى الصف الثاني عشر، لمستُ تغيرًا جذريًا في شخصياتهم ومستوياتهم العلمية والعملية، لقد أصبح الطالب أكثر قدرة على التفكير المنطقي، وأكثر ثقة بالنفس، وأكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية والعمل والإبداع؛ حيث لم يعد التعليم مجرد كتاب ودفتر، بل بيئة تفاعلية متكاملة.
ولعل من أهم أسباب نجاح هذه التجربة هو الدعم اللوجستي اللامحدود الذي قدمته وزارة التربية والتعليم؛ إذ لم تدخر جهداً في تهيئة المدارس وتزويدها بأحدث المعدات والأجهزة المتطورة اللازمة لتدريب وتدريس الطلاب، ففي تخصص تكنولوجيا المعلومات على سبيل المثال، تم إلغاء مفهوم "الغرفة الصفية التقليدية"، واستُبدلت بمختبرات تكنولوجية متكاملة تُمثّل بيئة عمل حقيقية يدخل الطالب في الصف العاشر ويُخصص له جهازه الخاص الذي يرافقه طوال سنوات دراسته الثلاث (العاشر، الحادي عشر، والثاني عشر)، ليكون تركيزه كاملاً على التطبيق العملي المباشر للبرمجيات والأنظمة المناسبة، مما يبني علاقة وثيقة وثقة عالية بين الطالب وأدواته التقنية.
ولم يقتصر التعليم داخل أسوار هذه المختبرات؛ بل كان للرحلات العلمية والزيارات الميدانية للمؤسسات والشركات التقنية دورٌ بارز في ربط الجانب الأكاديمي بالواقع العملي، كما شكل استقطاب المحاضرين والمدربين الخارجيين من أصحاب الخبرة في سوق العمل إضافة نوعية، حيث نقلوا للطلبة مستجدات القطاع التكنولوجي ومستلزماته.
وهنا تأتي الرسالة الأهم للجامعات الأردنية: استعدوا جيدًا… فأنتم أمام جيل جديد من الطلبة، جيل لا يبحث فقط عن شهادة جامعية أو مقعد للاستماع، بل يمتلك خبرة عملية ومهارات تقنية تراكمت لديه منذ المرحلة المدرسية، وقادر على الإبداع والمنافسة القيادية داخل القاعات الجامعية وخارجها، بل إن العديد من الخبراء والمدربين المشرفين يؤكدون بكثير من الفخر أن مستويات معظم طلبة BTEC في المهارات التقنية وتنفيذ المشاريع باتت تنافس وتتفوق أحياناً على مستويات طلبة السنوات الأولى في الجامعات.
وفي المقابل، فإن جزءًا مهمًا من هذه الدفعة لن ينتظر مقاعد الجامعات، لأن نظام BTEC أعدّهم أصلًا للانخراط المباشر في سوق العمل كفنيين ومبرمجين ومصممين محترفين. هؤلاء الطلبة يحملون مهارات حقيقية يحتاجها السوق الأردني والإقليمي، ويمتلكون القدرة على العمل والإنتاج بكفاءة عالية منذ اليوم الأول، سواء في مجالات تكنولوجيا المعلومات، الهندسة، الأعمال، الضيافة، أو غيرها من التخصصات التقنية الحديثة.
إن ما يحدث اليوم داخل مدارس الأردن ليس مجرد تغيير مناهج، بل صناعة جيل جديد يمتلك الفكر والمهارة والانتماء والطموح.
واليوم، ونحن على أعتاب تخرج أول دفعة من طلبة BTEC في الأردن، فإننا لا نودّع طلبة مدارس فقط، بل نستقبل جيلًا جديدًا من الشباب الأردني المؤهل أكاديميًا ومهنيًا، القادر على أن يكون عنصرًا فاعلاً ومحركاً رئيساً في الجامعات وسوق العمل معًا.
هي رسالة فخر لكل معلم آمن بالفكرة وغرس جهده في المختبرات، ولكل طالب اجتهد وسهر على إنجاز مشاريعه، ولكل مؤسسة دعمت هذا المسار.
ورسالة للجامعات أيضًا: القادمون إليكم ليسوا طلبة عاديين… بل أبناء تجربة تعليمية متكاملة صنعت منهم مشاريع نجاح وقادة للمستقبل.
* مقيم ومدقق مسار تكنولوجيا المعلومات



