عبد الله بني عيسى : حين حملنا التافهين على أكتافنا!
•في منطق المنصات الرقمية، لا وجود لما نسميه "نجوم الغفلة" أو "مشاهير الصدفة".
•فهذه المنصات لا تعرف الصدفة أصلاً، ولا تمتلك ذائقةً تميز بين الجيد والرديء، ولا أخلاقاً تفرّق بين الحقيقة والكذب، ولا وعياً يزن الحكمة في مقابل الحمق.
•إنها ترى شيئاً واحداً فقط: الأرقام.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
في منطق المنصات الرقمية، لا وجود لما نسميه "نجوم الغفلة" أو "مشاهير الصدفة". فهذه المنصات لا تعرف الصدفة أصلاً، ولا تمتلك ذائقةً تميز بين الجيد والرديء، ولا أخلاقاً تفرّق بين الحقيقة والكذب، ولا وعياً يزن الحكمة في مقابل الحمق. إنها ترى شيئاً واحداً فقط: الأرقام. بمعنى: كم شخصاً شاهد المنشور أو الفيديو أو مقطع الريلز؟ كم ثانية بقي؟ كم تعليقاً كُتب؟ كم مرة أُعيد نشر المحتوى؟. نعم في عالم المنصات، هذه هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الخوارزميات.لقد انتقل العالم خلال العقد الأخير إلى ما يسميه الباحثون "اقتصاد الانتباه". لم تعد السلعة التي تبيعها شركات التكنولوجيا هي المحتوى، بل وقت الإنسان نفسه. كل ثانية تقضيها أمام الشاشة تتحول إلى قيمة اقتصادية، وكل دقيقة إضافية تعني إعلانات أكثر وأرباحاً أكبر، بل وفي مدى أخطر، بيانات ضخمة متاحة لكل المآرب. ولذلك فإن الخوارزمية لا تسأل: هل هذا المحتوى نافع ومفيد؟ بل تسأل: هل أبقى الناس أمام الشاشة فترة أطول؟. ولعل هذا ما يشرح لنا: لماذا تنتشر بعض المقاطع والمنشورات التي تبدو لنا في غاية السخف والسطحية. المشكلة ليست في وجود أشخاص تافهين، فالتاريخ لم يخلُ منهم يوماً. الجديد أن هناك نظاماً تقنياً بالغ الذكاء اكتشف أن أكثر ما يجذب انتباه الإنسان ليس دائماً الحكمة أو الجمال، وإنما الغضب، والاستفزاز، والصدمة، والفضيحة، والصراع. علم النفس يفسر ذلك بما يعرف بـ"انحياز السلبية". فالإنسان، بحكم تطوره البيولوجي، ينتبه للخطر أكثر مما ينتبه للجمال، فلو تصادف وجود أفعى تحت شجرة الجاكرندا الجميلة، سيذهب اهتمام الإنسان للأفعى لا للشجرة. والخوارزميات لم تدرس علم النفس، لكنها تعلمت هذا الدرس من مليارات المستخدمين. فكلما أثار منشور الغضب، ازدادت التعليقات، وكلما كثرت التعليقات، اعتقدت الخوارزمية أن المحتوى مهم، فتدفع به إلى مزيد من الناس. هكذا ولد ما يسميه الباحثون اليوم "اقتصاد الغضب". الغضب لم يعد مجرد شعور إنساني، بل أصبح وقوداً رقمياً. نعم ثمة من يتاجر بغضبنا بإثارته بمحتوى تافه للغاية. أتذكر حينما انتشر ما عرف بتحدي "تايد بود" القائم على ابتلاع كبسولات الغسيل الملون من مراهقين، كيف كان عدد من مارس هذا السلوك السخيف محدوداً للغاية، لكن التغطية الإعلامية الضخمة، والتحذيرات المتكررة، وملايين المشاركات الساخرة والغاضبة، صنعت منه حدثاً عالمياً يفوق حجمها الحقيقي بأضعاف. لم يكن التحدي هو الذي انتشر وانتصر بذاته، بل الاهتمام الذي مُنح له. والأمر نفسه نراه في فضائنا المحلي بصورة تكاد تتكرر يومياً. يكفي أن يكتب شخص مجهول شتيمة للأردن، أو إساءة للمرأة، أو تطاولاً على موروث، أو استفزازاً للعشائر، حتى تتحول صفحته خلال ساعات إلى أشهر صفحة في البلاد. لا لأن ما كتبه يحمل قيمة فكرية، بل لأن آلاف الناس اندفعوا إلى صفحته. شتموه، وهاجموه، وصوروا منشوره، وأعادوا نشره، وكتبوا عنه المقالات، وصنعوا منه موضوعاً للنقاش في المجالس والبرامج والمنصات. للأسف يظن البعض أنه بذلك يعري المنشور ويبطله ويحاصره، بينما كان يعمل - من حيث لا يشعر - في قسم التسويق الخاص بصاحب هذا المنشور. بل إن بعض صناع المحتوى باتوا يفهمون هذه القاعدة جيداً. فهم لا يبحثون عن الإقناع، ولا عن الحوار، ولا حتى عن الشهرة بمعناها التقليدي، وإنما عن الجملة التي تستفز أكبر عدد ممكن من الناس. يعرفون أن عبارة تمس ثابتاً اجتماعياً، أو رأياً يحط من شأن المرأة، أو إساءة إلى الوطن، أو استفزازاً مقصوداً للمجتمع، كفيلة بإشعال معركة تمتد أياماً. وما دام الناس يتدفقون إلى التعليقات، فإن الخوارزمية تكافئهم، بصرف النظر عن طبيعة هذا التفاعل. كنت أعتقد، وما زلت، أن شيئاً من الفوضى التي نعيشها في منصات التواصل مفهوم وطبيعي. فقد انتقلت مجتمعاتنا، في سنوات قليلة، من فضاءات عامة شديدة الانضباط إلى أدوات تتيح لكل إنسان أن يخاطب الآلاف وربما الملايين بضغطة زر. ومن الطبيعي أن يخرج كل ما في المجتمع إلى السطح؛ حكمة البعض وحمقه، رقيه وابتذاله، اعتداله وتطرفه. فلا يوجد مجتمع يتكون من الملائكة وحدهم. لكن ما بدأ يثير القلق أن هذه الفوضى لم تعد مجرد مرحلة انتقالية، بل أصبحت تجد في الخوارزميات حليفاً دائماً. فالمنصات لا تهدئ الضجيج، وإنما تضخمه. ولا تميز بين النقاش الصحي والمعركة العبثية، بل تمنح الأفضلية لمن يثير انفعالاً أكبر. والسؤال هنا: ماذا نستطيع أن نفعل نحن؟ الإجابة العلمية واضحة، وإن كانت صعبة على النفس. إذا أردت أن تموت التفاهة عندك، فلا تمنحها ما تبحث عنه: انتباهك واهتمامك. لا تدخل إلى صفحتها بدافع الفضول. لا تشارك منشورها لتسخر منه. لا تكتب تعليقاً غاضباً. لا تصور الشاشة وتنشرها من جديد. ولا تقل: "انظروا إلى هذا التافه". ففي اللحظة التي تفعل فيها ذلك، تكون قد منحت الخوارزمية إشارة بأن هذا المحتوى يستحق أن يراه مزيد من الناس. إذا كان لا بد من الرد، فردّ على الفكرة من دون إعادة تدوير صاحبها. ناقش الظاهرة، لا الشخص. واكتب عن القضية من دون أن تجعل من صانعها نجماً. وفي المقابل، افعل العكس تماماً مع المحتوى الجيد. علّق عليه، وشاركه، وأثنِ عليه، وامنحه دقائق من وقتك. فالخوارزمية لا تميز بين الخير والشر، لكنها تتبع ما تمنحه أنت من اهتمام. لقد اعتدنا أن نحمّل المنصات وحدها مسؤولية ما يحدث، وهذا صحيح جزئياً. لكن الحقيقة الأكثر وضوحاً أن الخوارزمية ليست سوى مرآة عملاقة. فهي لا تفرض علينا ما نشاهده بقدر ما تتعلم مما نختاره نحن كل يوم. لندع إذن السؤال المكرر جانباً: لماذا اشتهر هذا التافه؟ ونطرح عوضاً عنه السؤال التالي: لماذا منحناه نحن كل هذا الانتباه؟ ــ الراي
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



