السبيل – خاص
كشفت اعترافات عميل للاحتلال الإسرائيلي رُمز إليه بالحرف (م)، والتي نشرها أمن المقاومة الفلسطينية، عن تورطه المباشر في سلسلة من المهام الاستخباراتية التي خدمت مخابرات الاحتلال، ووصلت ذروتها إلى المساهمة في اغتيال القائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد في 15 أيار/مايو 2026.
وبحسب الرواية التي أدلى بها؛ فقد ارتبط العميل بمخابرات الاحتلال منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023 عبر حساب “فيسبوك” يدّعي انتماءه إلى جهاز أمن فلسطيني، ثم تطور الأمر إلى استفسارات عن أشخاص ومنشآت مقابل مساعدات مالية، قبل أن يكشف المشغّل عن هويته الحقيقية كضابط في مخابرات الاحتلال.
ونفذ العميل (م) خلال حرب الإبادة مهاماً أدت إلى استشهاد مدنيين ومقاومين ورجال أمن وشرطة، واستهداف خيام ومدارس ومنازل، فيما استُغلت نقاط توزيع المساعدات الأمريكية كغطاء للقاءات والتدريب على تسجيل الإحداثيات والتصوير السري والتواصل المشفر.
وفي أخطر التفاصيل؛ كُلف العميل بمراقبة مكان استهداف الحداد، وأبلغ عن المركبة التي غادر فيها القائد المكان، ما مكّن الاحتلال من تنفيذ غارة إضافية أدت إلى استشهاده مع أفراد من عائلته.
كما أقر بتقديم معلومات كيدية عن مواطنين بدافع الانتقام الشخصي، ومعلومات مبنية على التخمين، بما في ذلك الإبلاغ عن ثلاثة شبان لمجرد حملهم مصاحف، ما أسفر عن استشهاد اثنين منهم.
وتكشف هذه الاعترافات عن وثيقة تبين طبيعة الحرب الاستخباراتية التي يخوضها الاحتلال ضد شعبنا ومقاومته، وعن محدودية أدواته رغم كل ما يملكه من تكنولوجيا وموارد.
فالتجنيد عبر حساب وهمي على “فيسبوك” يعكس اعتماد العدو على الاستغلال النفسي والاقتصادي في ظل ظروف الحصار والحرب، حيث يبحث عن ثغرات في النفوس الضعيفة ليحوّلها إلى أدوات خيانة. واستغلال نقاط المساعدات الأمريكية يمثل امتدادا لسياسة استخدام كل ما هو إنساني أو إغاثي كغطاء أمني، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن العدو لا يميز بين المدني والعسكري، ولا يتردد في تلويث كل مساحة ممكنة.
أما الدور الذي لعبه العميل في اغتيال الحداد؛ فيبرز هشاشة الرهان الإسرائيلي على العملاء كوسيلة وحيدة تقريبًا للوصول إلى قادة المقاومة الذين يتقنون فن الاختفاء والتحرك في بيئة معادية. فالحداد – الذي لُقب بـ”شبح القسام” – نجا من محاولات اغتيال متعددة على مدى سنوات، وتولى قيادة لواء غزة ثم القيادة العامة بعد استشهاد محمد السنوار، وكان يمثل نموذجاً للقائد الميداني الذي يجمع بين الخبرة والسرية والالتزام. ومساهمة عميل واحد في تتبع مركبته؛ لا تعني أن المقاومة مكشوفة، بل تعني أن الاحتلال ما زال يعتمد على الخيانة الفردية؛ لأنه فشل في اختراق المنظومة التنظيمية بعمق. وهذا ما تثبته قدرة أمن المقاومة على كشف العميل واعتقاله واستخراج اعترافاته، ثم إغلاق الملف بطريقة رادعة.
من الناحية السياسية؛ تكشف هذه القضية عن فشل استراتيجي إسرائيلي أوسع. فالعدو الذي يدّعي التفوق الاستخباراتي؛ يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على عملاء يقدمون معلومات تخمينية أو كيدية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى استهداف مدنيين أبرياء، ويزيد من عزلة الاحتلال أخلاقيًا وسياسيًا.
وفي المقابل؛ تعزز مثل هذه الاعترافات الثقة الشعبية بأجهزة أمن المقاومة، وتذكّر بأن الخيانة لا تمر دون حساب، وأن المجتمع الغزي رغم كل الضغوط ما زال قادرًا على رفض التواطؤ. كما أنها تضع المجتمع أمام مسؤولية الوعي بأن كثرة الأسئلة غير المبررة، والحركة المشبوهة في أماكن حساسة، وتقديم معلومات غير مؤكدة؛ كلها مؤشرات يجب التعامل معها بحذر ويقظة.
وفي الختام، صحيح أن اغتيال عز الدين الحداد كان خسارة كبيرة للمقاومة، لكنه ليس النهاية. فالمقاومة ليست رهينة أشخاص، مهما عظم دورهم، بل هي مسار جمعي يتجدد. وما كشفه العميل (م) يؤكد أن الاحتلال يراهن على الضعف البشري، بينما تراهن المقاومة على الوعي والصمود والعدالة الداخلية. ليبقى الدرس الأوضح هو أن أمن المجتمع يبدأ من رفض الخيانة بكل أشكالها، ومن تعزيز الاحترازات الميدانية والشعبية، حتى تبقى المقاومة قادرة على إفشال كل مخططات العدو، مهما تطورت أدواته.
The post اعترافات العميل “م”.. عندما تتحول الخيانة إلى أداة قتل appeared first on السبيل.


