اعطونا السلام
في لحظةٍ مفصلية من تاريخ لبنان، لم يعد ترف الوقت متاحاً ولا لغة الشعارات قادرة على إنقاذ ما تبقى. جاء اللقاء أمس في واشنطن بين سفيرة لبنان والسفير الإسرائيلي برعاية أميركية، وهو بطبيعة الحال ليس حدثاً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أن باباً جديداً فُتح بابٌ قد يقود، إن أُحسن استثماره، إلى إنهاء واحدة من أطول وأثقل الأزمات التي أنهكت الدولة والمجتمع معاً.
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستمرار في دوامة الحرب والاستنزاف والانهيار، أو امتلاك الجرأة السياسية للعبور نحو السلام. دعم الدولة اللبنانية في قرارها التوجه نحو مفاوضات مباشرة ليس مجرد موقف سياسي، بل هو واجب وطني. فالدولة، مهما كانت التحديات، تبقى الإطار الشرعي الوحيد القادر على حماية اللبنانيين وصياغة مستقبلهم بعيداً عن المغامرات والانقسامات.
من هنا، فإن المفاوضات المباشرة ليست استسلاماً، بل هي أداة سيادية لحماية لبنان. هي الطريق الأقصر لوقف الحرب، وتثبيت الحدود، واستعادة الاستقرار.
اما كل يوم تأخير في هذا المسار يعني مزيداً من الخسائر اقتصادياً، بشرياً، وبنيوياً.
لذلك أن الذهاب إلى السلام، هو انتقال من منطق الخسارة المستمرة إلى منطق الربح المتبادل.
والحديث عن السلام ليس مجرد فكرة رومانسية أو حلم بعيد، بل هو مشروع واقعي يحمل فوائد ملموسة، لا سيما الاقتصادية:
أولاً، إعادة الإعمار، لان السلام يفتح الباب أمام استثمارات دولية ضخمة لإعادة بناء ما دمرته الحروب، من بنى تحتية إلى مؤسسات حيوية. هذه العملية وحدها كفيلة بإعادة تحريك الاقتصاد اللبناني وخلق دورة مالية جديدة.
ثانياً، خلق فرص عمل فالمشاريع الإعمار والاستثمار ستخلق آلاف، بل عشرات آلاف فرص العمل للشباب اللبناني. من المهندسين إلى العمال، من القطاع السياحي إلى الخدمات، الجميع سيستفيد.
ثالثاً، استعادة الثقة الدولية حيث ان لبنان الذي يختار السلام يصبح شريكاً موثوقاً، ما يعيد جذب رؤوس الأموال ويشجع الشركات العالمية على العودة. والثقة هي العملة الأهم، والسلام هو الطريق الأسرع لاستعادتها.
رابعاً، تحسين الوضع المعيشي بالتزامن مع توقف الحرب، ستنخفض المخاطر وتستقر العملة، وتتحسن القدرة الشرائية. والمواطن الذي يعيش تحت ضغط الخوف والقلق سيتمكن أخيراً من التقاط أنفاسه.
خامساً الاستفادة الشاملة لكل اللبنانيين باعتبار السلام لن يكون حكراً على فئة دون أخرى. وحتى البيئة الشيعية التي دفعت أثماناً باهظة من الحرب والدمار، ستكون من أكبر المستفيدين. من خلال إعادة الإعمار في الجنوب، وعودة الحياة الاقتصادية، وخلق فرص العمل، ستمنح هذه المناطق فرصة حقيقية للنهوض بعد سنوات من المعاناة.
إن المطالبة بالسلام اليوم ليست خيانة ولا ضعفاً، بل شجاعة ومسؤولية. السلام هو حماية للسيادة، وليس انتقاصاً منها. هو استعادة للدولة، وليس تنازلاً عنها.
“اعطونا السلام” ليست مجرد عبارة، بل صرخة شعب تعب من الحروب، ومن أن يكون ساحةً لصراعات الآخرين. إنها دعوة صادقة لدعم الدولة في خيارها، ولإعطاء اللبنانيين فرصة حقيقية للعيش بكرامة، في بلدٍ لا تحكمه الحروب، بل تبنيه الإرادة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الدماء… بل إلى قرار. قرار بالسلام.
The post اعطونا السلام appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





