عاطف أبو حجر : حفنة قضامة
•في هذا الزمان، لا يحتاج المرء إلى حادثٍ جللٍ كي يتعلّم درسًا قاسيًا؛ أحيانًا تكفي حفنةُ قضامة.
•حفنةٌ صغيرة، بريئةٌ في ظاهرها، لكنها قادرةٌ على أن تفتح باب التأمل واسعًا في طبيعة العلاقات البشرية، وفي ذلك النوع الغريب من الناس الذين يدخلون حياتك فجأة، ويغادرون تاركين وراءهم فاتورةً لا تخطر على ب...
•قبل أيام، وأثناء خروجي من مبنى المستشفى، حيث كنت أراجع والدتي، قطع طريقي شخصٌ لا أعرفه.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
في هذا الزمان، لا يحتاج المرء إلى حادثٍ جللٍ كي يتعلّم درسًا قاسيًا؛ أحيانًا تكفي حفنةُ قضامة.حفنةٌ صغيرة، بريئةٌ في ظاهرها، لكنها قادرةٌ على أن تفتح باب التأمل واسعًا في طبيعة العلاقات البشرية، وفي ذلك النوع الغريب من الناس الذين يدخلون حياتك فجأة، ويغادرون تاركين وراءهم فاتورةً لا تخطر على بال.
قبل أيام، وأثناء خروجي من مبنى المستشفى، حيث كنت أراجع والدتي، قطع طريقي شخصٌ لا أعرفه. كان برفقة زوجته، وما إن رآني حتى اندفع نحوي وعانقني بحرارة، وكأننا افترقنا منذ عقود.قال بصوتٍ عالٍ:«أهلين أبو العطف! والله إلك وحشة».
وقبل أن أستوعب الموقف، انهالت الأسئلة كالرصاص:وين هالغيبة يا رجل؟ لا تلفون ولا زيارة؟ وين الصحبة؟ ولّا صرت تتكبّر علينا؟
وقفتُ لحظةً أُصفّن. لم أعرف الرجل، ولا تذكّرته، لكنني – ومن باب الأدب – لم أشأ إحراجه أمام زوجته. فابتسمت وقلت:«والله مشاعل يا صديقي».
وهنا اشتعل الحماس أكثر.دعاني لتناول الغداء في الكفتيريا، فاعتذرت.ثم اقترح أن نشرب فنجان قهوة، فاعتذرت ثانيةً بحجة أن والدتي معي، والحر شديد.لم ييأس، فأخذ وعدًا مؤجلًا بمنسفٍ قادم، «إن شاء الله».ولم يُعطِ لا لوكيشن ولا رقم هاتف، وحتى إنه لم يُعرّفني بنفسه.وقبل أن يغادر، أخرج من جيب سترته كمشةَ قضامة، ناولني إياها بفخر، وقال:«خذ... تسلّى عالطريق.عارفك بتحب القضامة».
ثم مضى، وهو يواصل الحديث بصوتٍ مرتفع، كأنما أراد أن يشهد كلُّ من في محيط المستشفى على عمق صداقتنا التاريخية.
مشيتُ أنا، ووضعت حفنةَ القضامة في فمي...وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعت صوتًا لا تخطئه أذنُ من جرّبه من قبل: صوتَ كسر.
كسرٌ داخلي، مؤلم، وصامت.
فإذا بالجسر الرباعي العلوي الأيمن قد انشطر نصفين، معلنًا نهاية عصرٍ، وبداية فاتورة.فاتورةٍ ستتجاوز مئتي دينار، ثمنًا لجسرٍ جديد، سأدفعها مقابل حفنة قضامة.
وهكذا تعلّمت الدرس: في حياتك لا تجامل.ليس كل من يعانقك صديقًا،ولا كل من يسألك مشتاقًا،ولا كل كمشة قضامةٍ للتسلية... بعضُها استثمارٌ طويل الأمد في عيادة الأسنان.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحتُ أكثر حذرًا:أبتسم للغرباء، وأبادلهم المجاملة، فليس كل ما يُؤكل يُهضم، وليس كل من عانقك صديقًا.وبقي سؤالٌ يراودني إلى الآن: كيف عرف هذا الشخص أنني أحبّ القضامة؟
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





