عاش أوروبيًا ومات أوروبيًا: هابرماس والجغرافيا الأخلاقية
تساءلَ حميد دباشي مرّةً: «إذا لم يكن لدى هابرماس مساحة في مخيلته الأخلاقية لأشخاص مثل الفلسطينيين، فهل لدينا أي سبب لاعتبار مشروعه الفلسفي بأكمله مرتبطًا بأي شكل من الأشكال ببقية البشرية – خارج نطاق جمهوره الأوروبي المباشر». وهو ربما السؤال الأكثر وجاهةً في موجة المساءلة النقدية التي تعرّض لها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، عقب بيانه الداعم لحرب الإبادة في غزة. وتجددت تلك المساءلة بعد وفاته قبل أيامٍ. السؤال وجيه، ولا يتطلب إجابة ساخرة.
يمكن للمرء أن يُعجب بالإنجازات الفكرية الحقيقية لهابرماس من نظرية الفعل التواصلي وإعادة بناء المادية التاريخية والدفاع عن المجال العام ضد تفككه الرقمي، وأن يرفض في الوقت نفسه منح تلك الإنجازات غطاءً أخلاقيًا لموقفه من غزة. فهذا الرجل -وإن فُسرت نظرياته على أنها كونية- ظل دائمًا أوروبيًا في تفكيره. لأنه شأن طائفةٍ من مفكري أوروبا والغرب اعتبروا دائمًا أن المركزية الأوروبية، ليست فقط هي الفكر الكوني الوحيد، بل هي أيضًا جغرافيا أخلاقية، ومن خلالها يحدد الخطأ والصواب والضحية والجلاد.
عاش هابرماس ومات وفيًا لهذه الرؤية، وإن لم يصرح بذلك بوضوحٍ، لكن سقطة غزة كان كاشفةً. وبعيدًا عن التبرير، كان هابرماس نفسه نتاج شروطه التاريخية والاجتماعية، فقد انضم يافعًا إلى الشبيبة الهتلرية، وتأثر بشدة بانهيار النازية في سن الخامسة عشرة. ثم صقل جرحُ المحرقة اليهودية فكره بشكل مركزي. ولذلك وجد نفسه في خريف 2023 في المعسكر الإبادي الإسرائيلي. لكن هابرماس لم يسقط وحده. بل سقط كشخصية تمثل طبقة فكرية أوروبية أوسع، يشكل سلوكها منذ أكتوبر 2023 أحد أهم الإخفاقات الأخلاقية في تاريخ الفكر الغربي الحديث. وكان سقوطه بمثابة كشفٍ للتناقض الرئيسي داخل الفلسفة الغربية من كانط إلى مدرسة فرانكفورت، والتي شيّدت نزعةً عالميةً كانت في جوهرها نزعةً خاصة، ورسمت قواعد أخلاقية أطلقت عليها صفة الكونية، وفي نهاية المطاف ظهر أنها لخدمة فئة أوروبية مُحددة. وكانت غزة، تلك البقعة الصغيرة من الأرض، مسرحًا لنهاية هذا الوهم، بشكلٍ لا رجعة فيه.
«الاستثنائية الألمانية» مرضًا فلسفيًا
لفهم موقف هابرماس من غزة، يجب على المرء أن يفهم الحالة الفكرية الألمانية الخاصة. يرتبط هذا الموقف بما يسميه أصف بيات بـ«الاستثنائية الألمانية» فيما يتعلق باليهود و«إسرائيل»، والتي تضع حقوق البعض فوق حقوق الآخرين وبالتالي تُغلق الباب أمام الحوار العقلاني الذي يدعو إليه هابرماس في كتاباته. تبدو الاستثنائية الألمانية تصحيحًا تاريخيًا مفرطًا لأمة ارتكب أجدادها المحرقة. وهذا الذنب المُؤسسيّ والمضمّن في القانون والمُتأصل في ردود الفعل الثقافية، يظهر كسلاح من قِبل المستفيدين منه. والنتيجة هي ثقافة تُخلط فيها انتقادات سياسة إسرائيل بنيويًا مع معاداة السامية، وتُثار فيها الشكوك حول كلمة «النكبة» في مناهج الجامعات، وتسحب فيها الجوائز من الأكاديميين المؤيدين للفلسطينيين، وتلغى فعالياتهم، وتُرفض تأشيراتهم.
عندما سقط هابرماس في خريف 2023 في المعسكر الإبادي الإسرائيلي لم يسقط وحده. بل سقط كشخصية تمثل طبقة فكرية أوروبية أوسع، يشكل سلوكها منذ أكتوبر 2023 أحد أهم الإخفاقات الأخلاقية في تاريخ الفكر الغربي الحديث
يبدو هابرماس أسيرًا لهذه الثقافة، حيث لم تسعفه قدراته الفلسفية العظيمة على التفريق بين انتقاد السياسة الإسرائيلية ومعاداة السامية. والحقيقة أن ذلك لم يكن فشلًا معرفيًا وأخلاقيًا، بقدر ما هو اتساق نظري. فنزعة هابرماس الكونية -نظريته في الفعل التواصلي، وأخلاقيات خطابه، وعالميته- كانت في جوهرها نزعة أوروبية ذات ادعاءات كونية، وبالتالي فإن موقفه بشأن حرب الإبادة يتماشى تمامًا مع القيود والتحيزات الأوروبية المركزية المتأصلة في فكره منذ البداية.
لطالما انتقد هابرماس تواطؤ هايدغر مع النازية. ويعتقد دباشي أن التقاليد الفلسفية الألمانية تميل إلى الخطأ نفسه ولكن في سياقات مختلفة، فبعض البشر يظلّون أكثر إنسانية من غيرهم في المخيلة الأخلاقية لأعظم ممارسيها. فمن النازية عند هايدغر إلى الصهيونية عند هابرماس، لا تُعتبر معاناة الآخر ذات أهمية تُذكر.
وراء هذه «الاستثنائية الألمانية» المَرَضية نجد أصل الداء وهو كونية التنوير وبنيتها الخفية. كان الإنجاز الأبرز لعصر التنوير هو تأكيده على أن العقل والحرية والكرامة حقوق أصيلة لجميع البشر بحكم إنسانيتهم، لا بحكم مولدهم أو معتقداتهم أو مكانتهم الاجتماعية. كان هذا الطرح ثوريًا، إذ شكّل أساسًا لإلغاء النظام الإقطاعي والثورات الديمقراطية في أواخر القرن الثامن عشر وحركة مناهضة العبودية، وصولًا إلى ظهور الإطار الدولي لحقوق الإنسان. لكنّ الفشل الخفيّ الأكبر لعصر التنوير تمثّل في أن أبرز روّاده لم يطبّقوا هذه النزعة الكونية على كامل نطاق البشرية التي زعموا أنها تشملها. ففي كتابات فلاسفة التنوير البارزين نجد العديد من المقاطع المتشبّعة بآراء عنصرية تجاه الشعوب غير الأوروبية، إلى جانب حجج تبرر الهيمنة الاستعمارية والعبودية، في تناقض صارخ مع المُثل التي روّج لها هؤلاء الفلاسفة أنفسهم، كحقّ تقرير المصير والحرية والمساواة في الحقوق والكونية. وخلف واجهة الكونية تكمن أخلاقية خاصة تُعلي من شأن قيم ثقافية محددة للطبقة البرجوازية الأوروبية الناشئة. وهذا ما أطلق عليه تشارلز ميلز «العقد العنصري»، وهو الاتفاق الضمني الذي يقوم عليه أساس الفلسفة السياسية الأوروبية، والذي قسم العالم إلى فئتين: فئة خاضعة تمامًا للعقد الاجتماعي (الأوروبيون) وفئة أخرى مجرّدة من نصيبه (المستعمرون). وقد مكّن «العقد العنصري» الأوروبيين من التوفيق بين التناقض بين قيم التنوير الإنسانية الكونية المتمثلة في المساواة والحرية والاستقلال الذاتي، وبين انتهاكهم لهذه المبادئ نفسها، وذلك من خلال توسيع تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي وتعميق المشروع الاستعماري. ويبدو أن الفلسفة الأوروبية لم تتعافَ بشكل كامل من هذه الخطيئة الأصلية، فهي تظهر، وإن كانت متحولة ولكن يمكن التعرف عليها هيكليًا، في الاستجابة الفكرية الأوروبية للحرب في غزة وحتى في الحرب على إيران اليوم.اقرأ/ي أيضا:
رغم المحاولة الجذرية لمدرسة فرانكفورت -التي كان هابرماس آخر رموزها- الإجابة عن سؤال سبب تحوّل وعد التنوير إلى همجية، إلا أنها احتفظت دائمًا بسردٍ لتاريخ العقل يتبنى نزعة هيغلية معينة، حيث تُعتبر أوروبا مسرحًا للتاريخ وموقعًا نهائيًا للتقدم التاريخي والثقافي والفكري. ورغم أن هوركهايمر وأدورنو انتقدا تطوّر العقل بهذه الطريقة، إلا أنهما قبلا ضمنيًا هذا التصور لتاريخ العقلانية. وهذا يقودنا إلى جوهر المسألة الفلسفي الذي صاغه عالم الاجتماع عرفان أحمد بدقة. فخلافًا للنظرة الكونية السائدة إلى هابرماس، فإن أفكاره تستند بشكل أحادي الاتجاه على «إلى الجميع» بدلًا من «من الجميع». ونتيجة لذلك، فإن كونيته «تبشيرية». إن التمييز بين «للجميع» و«من الجميع» أمر جوهريٌّ من الناحية الفلسفية ويستحقّ التوضيح. فالشمولية الحقيقية هي تلك التي تُستمدّ فيها معايير العدالة وقواعدها ومبادئها من عملية تشمل جميع المتأثرين بها، وهي شمولية تنبع من جميع وجهات النظر والتقاليد والخبرات والمنطق الإنساني. وهذا هو المعيار الذي وضعه هابرماس نفسه لأخلاقيات الخطاب، بحيث لا يكون المعيار الأخلاقي صحيحًا إلا إذا كان بإمكان جميع المتأثرين به الموافقة عليه في ظلّ ظروف تواصل مثالية وخالية من التشويه. إنّ النزعة الكونية الزائفة -أو ما يسميه عرفان أحمد «التفكير العرقي»- هي تلك التي تُقدَّم فيها المعايير المُصاغة ضمن تقليدٍ مُعيَّن (أوروبي، برجوازي، مسيحي علماني) إلى الآخرين على أنها حقائق عالمية صحيحة، دون أن يكون لهؤلاء الآخرين أي دورٍ تأسيسي في صياغتها. وهذا من الناحية البنيوية هو الشكل التبشيري، أي الشكل الذي تصبح فيه «الكونية» الأداة الأيديولوجية التي تستخدمها ثقافةٌ مُعيَّنة لادعاء أنها المعيار الذي تُقاس به جميع الثقافات الأخرى.
البنية العميقة للتواطؤ
يبدو هابرماس كرأس جبل الجليد. نافذة تفتح لنا على نمط منهجي يقود بالضرورة إلى سؤال ملحّ: لماذا انقسمت ردود الفعل على غزة انقسامًا حادًا على أسس جغرافية وحضارية؟ ولماذا كان أبرز المدافعين عن فلسطين -أولئك الذين وصفوا الإبادة الجماعية، وقارنوا الوضع بالفظائع التاريخية، وطالبوا بوقف فوري لإطلاق النار- في غالبيتهم العظمى من الباحثين المنتمين إلى الجنوب العالمي، ومن التقاليد ما بعد الاستعمارية، ومن هامش العالم الأكاديمي الأوروبي؟
من خلال نموذج هابرماس يمكن أن تتوزع الإجابة على ثلاث مشكلات رئيسية. أولًا، هناك مشكلة الجغرافيا الأخلاقية، أي الطريقة التي نُظِّم بها الوعي الأخلاقي الأوروبي حول مواقع محددة من الفظائع. تُفهم المحرقة، عن حق، على أنها جريمة نموذجية ضد الإنسانية، فهي حدثٌ من البشاعة بحيث غيّر بشكل دائم المفردات الأخلاقية للقرن العشرين. لكن في ألمانيا، وبدرجة أقل في أنحاء أوروبا، أنتج هذا بنية معرفية خاصة، هي عبارة عن خريطة أخلاقية تحتلّ فيها فظاعة واحدة ليس فقط مكانة بارزة، بل مكانة حصرية، تعمل كنقطة الصفر المطلقة للقياس الأخلاقي. يُقاس كل شيء آخر على أساسها، وتُعتبر معظم الكوارث، من خلال هذه المقارنة، غير كافية أخلاقيًا أو قابلة للتمييز أخلاقيًا. ولا يسمح منطق الاستثناء الألماني بمعيار عالمي واحد، بل بمعايير متفاوتة. فيصبح بعض الناس أكثر جدارة بالإنسانية، وآخرون أقل جدارة، وآخرون لا يستحقون شيئًا. والنتيجة هي نمط أخلاقي يُمنح فيه أحفاد ضحايا المحرقة، في المخيلة الأوروبية، نوعًا من الفضل الأخلاقي الدائم، براءة لا يمكن سلبها بأي فعل لاحق، بما في ذلك أفعال دولة تسبب عنفها في تشريد سكان أصليين ولا يزال يتسبب في ذلك. في المقابل، يُحمّل الفلسطينيون عبء الذنب، بل ويُجبرون على تحمل العبء الأخلاقي للذنب الأوروبي دون أن يكونوا قد ارتكبوه.
رغم المحاولة الجذرية لمدرسة فرانكفورت -التي كان هابرماس آخر رموزها- الإجابة عن سؤال سبب تحوّل وعد التنوير إلى همجية، إلا أنها احتفظت دائمًا بسردٍ لتاريخ العقل يتبنى نزعة هيغلية معينة، حيث تُعتبر أوروبا مسرحًا للتاريخ وموقعًا نهائيًا للتقدم التاريخي والثقافي. والفكري
أمّا المشكلة الثانية فهي تكوين المعرفة. لقد هيمن الرجال البيض الأوروبيون على النظرية النقدية منذ بداياتها في أعمال ماركس وفرويد، مرورًا بالجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، أدورنو وهوركهايمر، ولاحقًا الجيل الثاني. وتشكلت موضوعات البحث النقدي وفقًا لهذا التكوين من: الرأسمالية والفاشية ومعاداة السامية والثقافة الجماهيرية، والعلمانية والديمقراطية التداولية. وجميعها مشكلات محورية في الحداثة الأوروبية. أما النكبة وبناء الدولة الاستيطانية الاستعمارية وتشريد الشعب الفلسطيني -فلم تكن من بين تحليلات مدرسة فرانكفورت. هذه المواضيع لم تغب لعدم أهميتها، ولكن لأنها تقع خارج نطاق رؤية تقليد فكري لطالما نظر إلى الداخل، إلى أوروبا، باعتبارها المسرح الرئيسي للتاريخ.
وأخيرًا، والأكثر أهمية من الناحية الفلسفية، مشكلة الغائية. يرتكز مشروع هابرماس برمته على نظرية الحداثة بوصفها تقدمًا، أي عملية تعلّم تكتسب من خلالها المجتمعات البشرية قدرات أكثر تطورا على العقلانية التواصلية والشرعية الديمقراطية والاعتراف العالمي. هذه الرواية للتطور تتمحور حول مركز ثقل واضح وهو أوروبا وعصر التنوير والثورات الديمقراطية وتطور القانون الدولي وبناء النظام الدولي الليبرالي بعد عام 1945، وكلها معالم بارزة في مسيرة التقدم التي يرسمها هابرماس ويدافع عنها. لكن هذا الخطاب التقدمي يحمل في طياته حكمًا ضمنيًا على من لم يسلكوا الدرب نفسه، وتبرئة ضمنية لمن سلكوه، حتى وإن كانت أفعالهم في الحاضر تخالف القيم التي يدّعون تجسيدها. تبدو إسرائيل، في هذا السياق، دولة غربية ديمقراطية ليبرالية، كحلقة في شبكة حضارة التنوير. فهي على الجانب الصحيح من غاية الحداثة، بغض النظر عما تفعله بمن وضعتهم هذه الغائية على الجانب الخاطئ، أو خارجها تمامًا.
قد يكون من المريح إدانة هابرماس، أي تحديد إخفاق أخلاقي لفيلسوف عجوز، ثم العودة إلى الوضع المعتاد. لكن هذه الراحة هي تحديدًا ما يجب مقاومته. لأن الإفلاس الأخلاقي لهابرماس بشأن فلسطين -بوصفه المفكر الأوروبي الأكثر تأثيرًا وشهرةً في الزمن الحاضر – يمثل أكثر من إدانة لشخص، فهو نقطة تحول في العلاقة الاستعمارية بين الفلسفة الأوروبية وبقية العالم.

