- عَامٌ مَرَّ عَلَى رَحِيلِ أَنَس الشَّرِيف، لَكِنَّ صَوْتَهُ الَّذِي كَانَ يَلْتَعِجُ بِالأَلَمِ بَعْدَ كُلِّ مَجْزَرَةٍ فِي جَبَالِيَا وَشَمَالِ القِطَاعِ
يَحُلُّ اليَوْمَ، الاِثْنَيْنِ 10 أُغُسْطُس 2026، عَامٌ كَامِلٌ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْطَفَأَتْ فِيهَا عَيْنٌ كَانَتْ تَرَى عَنْ العَالَمِ كُلِّهِ.
فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ مِنْ عَامِ 2025، لَمْ يَكُنِ الصَّحَفِيُّ الفِلَسْطِينِيُّ أَنَس جَمَال الشَّرِيف، يَعْلَمُ أَنَّ الخَيْمَةَ الَّتِي لَجَأَ إِلَيْهَا أَمَامَ بَوَّابَةِ مَجْمَعِ الشِّفَاءِ الطِّبِّيِّ سَتَكُونُ الشَّاهِدَ الأَخِيرَ عَلَى حَكَاَيَتِهِ.
لَمْ يَكُنْ أَنَس مُجَرَّدَ حَامِلِ كَامِيرَا أَوْ صَاحِبِ مَايْكِرُوفُونٍ؛ كَانَ النَّبْضَ الَّذِي يَنْمُو فِي قَلْبِ الحِصَارِ، وَالصَّوْتَ الَّذِي أَبَى أَنْ يَمُوتَ حَتَّى بَعْدَ أَنْ سَقَطَ وَالِدُهُ الشَّهِيدُ جَمَال الشَّرِيف تَحْتَ أَنْقَاضِ مَنْزِلِهِمْ فِي جَبَالِيَا.
رَغْمَ الفَقْدِ، وَرَغْمَ دُمُوعِ الوَدَاعِ الَّتِي لَمْ تَجِفَّ، وَصَلَّى عَلَى رُوحِ أَبِيهِ ثُمَّ عَادَ لِيَقِفَ أَمَامَ الشَّاشَةِ، مُلْتَزِمًا بِعَهْدِهِ لِلأَطْفَالِ الَّذِينَ قَاسَمَهُمْ طَحِينَ الحِصَارِ وَوَجَعَ النُّزُوحِ.
لَيْلَةُ الاِغْتِيَالِ.. خَيْمَةٌ شَاهِدَةٌ وَخَمْسَةُ أَقْلَامٍ رَحَلَتْ مَعًا
فِي المَسَاءِ الأَخِيرِ، حِينَمَا كَانَتْ غَزَّةُ تُغَاطَِسُ فِي ظَلَامِهَا، كَانَتِ الخَيْمَةُ الإِعْلَامِيَّةُ فِي مَجْمَعِ الشِّفَاءِ تُضِيءُ بِعَرَقِ الصَّحَفِيِّينَ وَمَحَاوَلَاتِهِمْ لِإِرْسَالِ الخَبَرِ الأَخِيرِ.
عِنْدَ السَّاعَةِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالنِّصْفِ لَيْلًا، اسْتَهْدَفَتْ غَارَةٌ جَوِيَّةٌ لجيش الاحتلال الخَيْمَةَ الَّتِي تَجَمَّعَ فِيهَا أَنَس مَعَ رَفَاقِهِ.
سَقَطَ أَنَس (28 عَامًا) وَإِلَى جَانِبِهِ زَمِيلُهُ مُحَمَّد قَرِيقَع، وَالمُصَوِّرُونَ إِبْرَاهِيم ظَاهِر، وَمُحَمَّد نَوْفَل، وَمُؤْمِن عَلِيوَة، لِيَلْتَقِيَ خَمْسَةٌ مِنْ فُرْسَانِ الكَلِمَةِ فِي جَنَازَةٍ وَاحِدَةٍ زَفَّتْهُمْ غَزَّةُ فِيهَا بِالدُّمُوعِ وَالوَدَاعِ الحَاشِدِ.
تَرَكَ أَنَس زَوْجَتَهُ وَطِفْلَيْنِ، وَتَرَكَ مَعَهُمَا وَصِيَّةً نَشَرَهَا قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ رَحِيلِهِ، كَتَبَ فِيهَا بِكُلِّ شَجَنٍ: هَذِهِ وَصِيَّتِي، وَرِسَالَتِي الأَخِيرَةُ. إِنْ وَصَلَتْكُمْ كَلِمَاتِي هَذِهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ إِسْرَائِيلَ قَدْ نَجَحَتْ فِي قَتْلِي وَإِسْكَاتِ صَوْتِي... عِشْتُ الأَلَمَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ، وَذُقْتُ الوَجَعَ وَالفَقْدَ مِرَارًا، وَرَغْمَ ذَلِكَ لَمْ أَتَوَانَ يَوْمًا عَنْ نَقْلِ الحَقِيقَةِ كَمَا هِيَ، بِلَا تَزْوِيرٍ أَوْ تَحْرِيفٍ.
حَقِيقَةٌ عَابِرَةٌ لِلْغِيَابِ.. خَلُودُ الصَّوْتِ وَعَجْزُ الرَّصَاصِ
عَامٌ مَرَّ عَلَى رَحِيلِ أَنَس الشَّرِيف، لَكِنَّ صَوْتَهُ الَّذِي كَانَ يَلْتَعِجُ بِالأَلَمِ بَعْدَ كُلِّ مَجْزَرَةٍ فِي جَبَالِيَا وَشَمَالِ القِطَاعِ، لَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي صَدَى الذَّاكِرَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ. أَرَادَ القَاتِلُ أَنْ يُطْفِئَ الكَامِيرَا، لَكِنَّ الرَّسَائِلَ الَّتِي خَلَّفَهَا أَنَس تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الحَقِيقَةَ أَطْوَلُ عُمْرًا مِنَ الصَّوَارِيخِ.
لَمْ تَكُنْ جَائِزَةُ "بُولِيتْزَر" الَّتِي نَالَهَا مَعَ فَرِيقِ الصَّحَفِيِّينَ سِوَى شَهَادَةٍ مِنْ العَالَمِ عَلَى بَسَالَتِهِ، لَكِنَّ الشَّهَادَةَ الأَكْبَرَ كَانَتْ مَحَبَّةَ النَّاسِ الَّذِينَ رَأَوْا فِيهِ ابْنَهُمُ البَارَّ، وَحَارِسَ حِكَايَتِهِمُ الَّذِي لَمْ يَنَمْ لِكَيْ يَنَامَ خَبَرُ المَظْلُومِينَ فِي ضَمِيرِ الإِنْسَانِيَّةِ.

