عاصفة الحزم بعد 11 عامًا.. بين المكاسب الجزئية والتحديات الكبرى في اليمن
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عميد المهيوبي
بعد مرور أكثر من عقد على إطلاق عملية “عاصفة الحزم”، لا يزال المشهد اليمني يعكس شبكة معقدة من الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. العملية التي انطلقت في 26 مارس 2015 بقيادة السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى، هدفت إلى حماية الشرعية اليمنية والتصدي لتوسع الحوثيين المدعومين من إيران، لكنها خلفت مزيجًا من المكاسب الجزئية والإخفاقات، مع استمرار الانقسام الجغرافي والمؤسسي، وتعقيدات في استعادة الدولة وبناء مؤسساتها.
شكلت “عاصفة الحزم” حاجزًا أمام طموحات إيران في اليمن، بعد إعلان طهران السيطرة على العاصمة صنعاء عبر مليشيات الحوثي التي انقلبت على مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر 2014، وفرضت الإقامة الجبرية على الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس حكومته خالد محفوظ بحاح، ما اضطرهما للانتقال إلى عدن لمواجهة المليشيات.
ومع تقدم الحوثيين في عدن، غادر الرئيس هادي إلى الرياض وطلب من الأشقاء في المملكة والدول الخليجية التدخل لإنقاذ اليمن من أدوات إيران، ليبدأ التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات عملياتها العسكرية، بدعم من الكويت والبحرين وقطر والسودان، بحملة لاقت ترحيبًا عربيًا ودوليًا واسعًا، استهدفت إعادة الشرعية اليمنية وإزالة تهديد الحوثيين وتدمير قدراتهم العسكرية.
شهدت السنوات التالية تحولات في مسار الأزمة اليمنية، بما في ذلك انسحاب قطر من التحالف وإعادة توجيه العملية نحو تسويات سياسية ومساعي خليجية لحل الأزمة سلمياً. وفي ديسمبر 2025، تم إعفاء الإمارات من العمليات العسكرية المباشرة في اليمن، لتبقى السعودية هي القائد الأساسي للقرار العسكري والاستراتيجي.
وعلى مدار أكثر من عقد، شكّلت العملية منعطفًا سياسيًا وعسكريًا حاسمًا، لكنها أفرزت سلسلة تحديات معقدة على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، جعلت تحقيق الأهداف الاستراتيجية مرهونًا بإعادة النظر في التوازنات الداخلية والإقليمية على حد سواء.
تحولات في مسار العاصفة
بعد أحد عشر عامًا على انطلاق العملية، يظل المشهد اليمني مفتوحًا على تعقيدات متشابكة بين الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، في ظل واقع لم يعد يُقاس بنتائج المعارك فقط، بل بمدى القدرة على إدارة توازنات الصراع وفك أزماته المتراكمة. بين ما تحقق من منع انهيار شامل للدولة وما تعثر من أهداف كبرى على رأسها استعادة مؤسساتها، تقف اليمن اليوم عند مفترق طرق حاسم.
في هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة تعز، الدكتور عبدالقادر الخلي: “عملية عاصفة الحزم استطاعت تحقيق بعض الأهداف الجزئية، لكنها لم تنجح في هدفها الرئيسي المتمثل في استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب.”
وأوضح الخلي في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن أبرز ما تحقق يتمثل في منع سقوط اليمن بالكامل بيد الحوثيين والحفاظ على المركز القانوني للجمهورية اليمنية عبر استمرار الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، ما عزز عزل الانقلابيين على الصعيد الدولي. لكنه أشار إلى أن العملية لم تنجح في استعادة صنعاء أو القضاء على الحوثيين، ما أدى إلى استمرار الانقسام الجغرافي والمجتمعي وظهور هويات متعددة داخل البلاد.
كما أضاف أن من أبرز الإخفاقات تفكك المؤسسة العسكرية وعدم إعادة بنائها ضمن إطار وطني موحد، مقابل تماسك جبهة الحوثيين تحت قيادة واحدة، فضلاً عن فشل الحكومة في تفعيل مؤسسات الدولة حتى في المناطق المحررة، واستمرار تدهور الخدمات والأوضاع الاقتصادية.
وأشار الخلي إلى أن كلفة الحرب كانت باهظة على الصعيدين الاقتصادي والإنساني، إذ خسر اليمن موارد كبيرة، وتراجع إنتاج النفط والغاز، وازداد الفقر، وتدهورت قطاعات التعليم والصحة، مقابل مكاسب سياسية محدودة تمثلت في الحفاظ على الشرعية بشكل رمزي.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد أشار إلى أن تراجع الدور الإماراتي في اليمن ساهم نسبيًا في تقليل التباينات داخل معسكر الشرعية، لكنه لم يعالج مشكلة وجود تشكيلات عسكرية غير مدمجة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وهو ما يعيق بناء دولة مستقرة.
وأكد الخلي أن غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الحكومة الشرعية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب لا يزال أحد أبرز التحديات، إلى جانب تعدد مراكز القرار داخلها وضعف المؤسسة العسكرية.
وأضاف أن مسار الأزمة اليمنية بات مرتبطًا بشكل كبير بالتطورات الإقليمية، خصوصًا الصراع بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، ما يجعل مستقبل اليمن مرهونًا بنتائج هذه الصراعات.
أبرز التحديات والتعقيدات
تغيرت طبيعة المواجهة خلال السنوات الماضية، وتبدلت أولويات الأطراف، وبرزت تحديات جديدة أعادت تشكيل خريطة النفوذ داخل البلاد. ومع تحولات التحالف والقوى المحلية، تظل التساؤلات حول مآلات الحرب وإمكانيات السلام قائمة، وسط تحليلات متباينة حول ما تحقق على الأرض مقابل التعقيدات السياسية والعسكرية الراهنة.
في هذا الإطار، يرى المحلل الاستراتيجي علي الذهب أن مسار العمليات انتقل من هدف حاسم لدحر الانقلاب إلى هدف أقل طموحًا يقوم على احتوائه ومنع انتشاره، ما انعكس على طبيعة النتائج في الميدان، وأدى إلى حالة انقسام جغرافي وسياسي أعادت إنتاج خرائط نفوذ قديمة بدل بناء سلطة موحدة على مستوى الدولة.
وأشار الذهب في حديث لـ”يمن مونيتور”، إلى أن التباينات داخل أطراف التحالف في المراحل التالية أسهمت في تعقيد المشهد وخلقت بيئة تنافس بين القوى المحلية، ما أثر سلبًا على وحدة القرار ومسار المعركة. لكنه أضاف أن التحولات الأخيرة، بما فيها إعفاء الإمارات من التحالف، منحت الحكومة مساحة أكبر لاستعادة مركزية القرار، رغم بقاء تحديات مرتبطة بوجود أدوات نفوذ غير مباشرة على الأرض.
أما فيما يخص التأثيرات الإقليمية، قال الذهب إن أي تسوية محتملة قد تدفع الحوثيين نحو الانخراط في العملية السياسية، لكنها ستظل هشّة وقابلة للانهيار، إذ تحافظ الجماعة على قدراتها العسكرية وتتفاعل بحذر مع المتغيرات، مما يمنحها هامش مناورة مستقبليًا.
وحول السيناريوهات المحتملة، رجح الذهب مسارين رئيسيين: تصعيد عسكري يؤدي لاحقًا إلى تسوية، أو تسوية سياسية مؤقتة يعقبها تجدد الصراع.
وشدد على أن نجاح أي مسار مستقبلي يعتمد على قدرة الدولة على فرض القانون، وإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية، والتعامل بمرونة مع القوى المنخرطة في الصراع لتفادي دورات عنف جديدة.
آمال شعبية بالسعودية
انطلقت “عاصفة الحزم” وسط زخم شعبي واسع وتطلعات لبناء دولة مستقرة، إلا أن السنوات الماضية شهدت تعقيدات زادت من الانقسامات وأثرت على الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
ويشير الصحفي السياسي وليد الجبزي إلى أن التحديات الداخلية والإقليمية حالت دون تحقيق أهداف العملية بشكل كامل، بما في ذلك بروز تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، ما أدى إلى تعدد مراكز القوة وإضعاف مؤسسات الشرعية. وأضاف أن المرحلة الحالية أظهرت مؤشرات تحسن نسبي، غير أن التحدي الأكبر أمام مجلس القيادة الرئاسي يتمثل في توحيد التشكيلات العسكرية ومعالجة التفاوت في الرواتب لتعزيز وحدة القرار العسكري.
وأكد الجبزي في حديثه لـ”يمن مونيتور”، أن مستقبل اليمن يعتمد على قدرة القوى الوطنية على توحيد الصف، إلى جانب دور سعودي متوقع في دعم إعادة بناء المؤسسة العسكرية، بما يمهد لاستعادة الاستقرار وإنهاء الانقسام.
واعتبر أن الدعم السعودي خلال أحداث المحافظات الشرقية وتصديها لمحاولة الانفصال عزز ثقة اليمنيين بالمملكة، وأشاد الشعب اليمني بمواقفها الداعمة للشرعية المعترف بها دوليًا.
كما يرى المراقبون العسكريون أن انشغال إيران بحروبها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” يمثل فرصة للحد من قدرات الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، مشددين على أن استثمار هذه اللحظة يتطلب تنسيقًا محكمًا بين القوى المناهضة للحوثيين والتحالف العربي لتحقيق تقدم حقيقي على الأرض وإعادة بناء الدولة.
The post عاصفة الحزم بعد 11 عامًا.. بين المكاسب الجزئية والتحديات الكبرى في اليمن appeared first on يمن مونيتور.





