التاريخ لا يُكتب فقط بما وقع من أحداث، بل أيضاً بمن روى تلك الأحداث، وبالموقع الذي منح الراوي نفسه إياه عندما عاد إليها بعد سنوات. ولهذا فإن المذكرات الشخصية، مهما بلغت قيمة أصحابها، تبقى مصدراً يحتاج إلى النقد والمقارنة مع الوثائق وشهادات الآخرين، خصوصاً عندما يكون صاحب المذكرات في الوقت نفسه شاهداً على الحدث ومشاركاً فيه.
ومن هذا المنطلق أقرأ يوميات المؤرخ والإداري الفلسطيني عارف العارف عن فترة عمله في إمارة شرق الأردن بين عامي 1926 و1929، ولا سيما ما يتعلق بموقفه من المعاهدة الأردنية–البريطانية لعام 1928، وما أورده عن شكوك البريطانيين في تعاطفه مع الحركة الأردنية المعارضة لها أو تأثيره فيها.
القضية هنا ليست التشكيك في وطنية عارف العارف، ولا الانتقاص من قيمته مؤرخاً فلسطينياً مهماً، وإنما البحث في سؤال أكثر تحديداً:
ما الحجم الحقيقي لدور عارف العارف في الحركة الأردنية ضد معاهدة 1928؟ وهل تؤيده مصادر مستقلة، أم أن جزءاً مهماً من هذه الصورة مستمد من شهادته عن نفسه؟
من هو عارف العارف؟
ولد عارف العارف في القدس عام 1892، وكان صحفياً ومؤرخاً وإدارياً فلسطينياً بارزاً. خدم في الجيش العثماني أثناء الحرب العالمية الأولى، وأُسر على الجبهة الروسية، ثم عاد بعد الحرب إلى المنطقة وانخرط في النشاط القومي والصحفي.
ارتبط في القدس بـ النادي العربي، وعمل في صحيفة سورية الجنوبية ذات الاتجاه القومي، ثم انتقل لفترة إلى دمشق وانخرط في النشاط العربي الفلسطيني هناك.
بعد ذلك دخل مرحلة أخرى من حياته، فالتحق منذ عام 1921 تقريباً بالجهاز الإداري لحكومة الانتداب البريطاني في فلسطين، وعمل في عدة مناطق، قبل أن يُعار عام 1926 إلى حكومة إمارة شرق الأردن، حيث تولى منصب سكرتير عام الحكومة.
وغادر شرق الأردن عام 1929 ليعود إلى العمل في حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين، واستمر في مناصب إدارية مختلفة حتى السنوات الأخيرة من الانتداب.
وبعد عام 1948 تولى مناصب عامة في القدس في العهد الأردني، كما ترك مؤلفات تاريخية مهمة عن القدس وفلسطين والنكبة.
هذه السيرة تكشف منذ البداية عن شخصية سياسية وإدارية مركبة: قومي عربي في أفكاره، وموظف رفيع في الإدارة القائمة تحت الانتداب البريطاني في الوقت نفسه.
وهذه الثنائية أساسية لفهم مواقفه في الأردن سنة 1928 وفلسطين سنة 1936.
هل كان من حزب الاستقلال العربي؟
من المهم التمييز بين التنظيمات القومية المختلفة التي ظهرت في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.
لا تتوافر، في حدود المصادر التي جرى الاطلاع عليها، أدلة كافية تسمح بالقول إن عارف العارف كان عضواً في حزب الاستقلال العربي الذي نشط في العهد الفيصلي في دمشق.
فالمصادر التي تتناول سيرته تشير إلى نشاطه في النادي العربي في القدس، وإلى مشاركته في الجمعية العربية الفلسطينية في دمشق، لكنها لا تضعه بوضوح ضمن أعضاء حزب الاستقلال العربي.
وهذا التفريق مهم لأن عدداً من رجال حزب الاستقلال العربي انتقلوا فعلاً إلى شرق الأردن والتفوا حول الأمير عبدالله بن الحسين وأسهموا في بناء الإدارة الجديدة.
وكان من أبرزهم رشيد طليع الذي أصبح أول رئيس حكومة في إمارة شرق الأردن عام 1921، كما ارتبط بالتيار القومي والاستقلالي في تلك المرحلة رجال مثل علي خلقي الشرايري، أحمد مريود، محمد علي العجلوني، أحمد حلمي عبد الباقي وغيرهم.
وعليه، لا يصح وضع عارف العارف تلقائياً في المسار التنظيمي نفسه لمجرد أنه كان يحمل توجهاً قومياً.
فالاستقلاليون الذين وصلوا في بدايات الإمارة جاءوا في سياق سياسي مختلف، بينما وصل عارف العارف عام 1926 موظفاً معاراً من حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين.
معاهدة 1928 والحركة الوطنية الأردنية
وُقعت المعاهدة الأردنية–البريطانية سنة 1928، وليس سنة 1926 كما قد يختلط الأمر أحياناً.
وقد أثارت معارضة واسعة في شرق الأردن لأن قطاعات مهمة من المجتمع والنخب السياسية رأت أنها لا تحقق الاستقلال والسيادة بالمستوى المطلوب، وتُبقي لبريطانيا نفوذاً واسعاً في شؤون الإمارة.
ولم يكن الاعتراض مجرد احتجاج عابر، بل تطور إلى حراك سياسي ووطني منظم بلغ محطة بارزة في انعقاد المؤتمر الوطني الأردني الأول في 25 تموز 1928.
وشارك في المؤتمر عدد كبير من الزعماء والشيوخ والمثقفين وممثلي مختلف مناطق البلاد، وانتُخب حسين الطراونة رئيساً للمؤتمر ورئيساً للجنته التنفيذية.
وخرج المؤتمر بميثاق سياسي أكد مطالب الاستقلال والسيادة والحكومة الدستورية والمسؤولية السياسية، ورفض الترتيبات التي اعتُبرت منتقصة من القرار الوطني.
وهذه الوقائع تؤكد حقيقة أساسية: المعارضة للمعاهدة كانت حركة وطنية أردنية نابعة من داخل المجتمع الأردني نفسه.
من هم رجال الحركة؟
عندما نقرأ تاريخ تلك المرحلة تظهر أسماء لها حضورها السياسي والاجتماعي المستقل، من بينها: حسين الطراونة، راشد الخزاعي، علي خلقي الشرايري، سليمان السودي الروسان، مثقال الفايز، مصطفى المحيسن، طاهر الجقة، محمد صبحي أبو غنيمة، نمر الحمود العربيات، هاشم خير، نجيب الشريدة، سعيد المفتي وغيرهم من رجالات المدن والعشائر والمناطق الأردنية.
بعض هؤلاء سبق عارف العارف إلى العمل السياسي والقومي بسنوات.
وبعضهم ارتبط بالحركة العربية والاستقلالية منذ فترة الثورة العربية الكبرى والعهد الفيصلي.
وبعضهم تحمل بصورة مباشرة أعباء المعارضة السياسية للنفوذ البريطاني.
ولهذا لا يبدو منصفاً أن يظهر هؤلاء وكأنهم جمهور احتاج إلى من يحركه أو يوعيه بمعنى الاستقلال.
الأردنيون لم يكونوا بحاجة إلى عارف العارف لكي يدركوا أن سيادة بلادهم موضع نزاع.
ماذا قال عارف العارف عن نفسه؟
تظهر في يوميات عارف العارف مواقف ناقدة لمعاهدة 1928، كما يروي عن شكوك البريطانيين فيه وعن اعتقادهم بأنه يتعاطف مع المعارضة أو يؤثر فيها.
ومن الممكن قبول أن هذه المعارضة كانت حقيقية.
بل إن مسيرته اللاحقة تساعدنا على فهم أن عارف العارف كان بالفعل قادراً على معارضة سياسات بريطانية معينة وهو داخل الجهاز الإداري نفسه.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين أن يكون الموظف معارضاً للسياسة وبين أن يكون قائد الحركة الشعبية ضدها.
فالقول: كان البريطانيون يشتبهون بأنني أشجع المعارضة
لا يساوي تاريخياً القول:كنت وراء المعارضة.
وقد تكون السلطات البريطانية بالغت في تقدير دوره، كما كانت السلطات الاستعمارية كثيراً ما تفسر الحركات الشعبية بوجود «محرضين» بدلاً من الاعتراف بأنها نابعة من المجتمع نفسه. ومن هنا لا ينبغي أن يتحول الاشتباه البريطاني، بمرور الزمن، إلى شهادة تلقائية تمنحه دوراً قيادياً.
)أنصار الحق( ودوره السياسي
ارتبط اسم عارف العارف في تلك الفترة بجماعة عُرفت باسم (أنصار الحق)، وظهرت إلى جانب اسمه أسماء أردنية معروفة مثل علي خلقي الشرايري، راشد الخزاعي، سليمان السودي، حسين الطراونة، محمد علي العجلوني وغيرهم.
ومن المحتمل أن هذه الجماعة كانت جزءاً من البيئة السياسية المعارضة للمعاهدة، وأنها ناقشت أفكاراً مرتبطة بالحراك الوطني وربما قدمت المشورة لبعض القيادات.
لكن وجود عارف العارف داخل هذه المجموعة لا يعني أن الجماعة كانت جماعته، ولا أن الحركة الأردنية كانت من صنعه.
بل إن وجود هذه الشخصيات الأردنية الثقيلة فيها يؤكد أن المشهد أوسع منه بكثير.
هل استقال بسبب المعاهدة؟
هنا يجب أن نكون دقيقين. لا يتوافر، في حدود ما جرى التحقق منه، نص صريح يقول فيه عارف العارف: "استقلت من حكومة شرق الأردن احتجاجاً على معاهدة 1928".
المعروف أنه طلب الانسحاب من عمله في أواخر عام 1928 وغادر شرق الأردن عام 1929، وأن علاقته ببعض المسؤولين البريطانيين شهدت توتراً، كما ارتبطت نهاية وجوده في الأردن بعوامل أخرى، منها موضوع (أنصار الحق).
لذلك لا ينبغي القول إنه ادعى صراحة أنه استقال بسبب المعاهدة ما لم يظهر نص مباشر يثبت ذلك.
الأدق هو القول إن طريقة روايته لرفض المعاهدة، واتهام البريطانيين له بالتأثير في المعارضة، ثم خروجه من الأردن، قد تترك لدى القارئ انطباعاً بأن مغادرته كانت امتداداً لموقف وطني مباشر من المعاهدة، بينما لا يثبت الدليل المتاح أن هذا كان السبب المحدد أو الوحيد.
ماذا قالت القيادات الأردنية عنه؟
هنا نصل إلى سؤال شديد الأهمية: ماذا قال الأردنيون الذين صنعوا الحركة عن عارف العارف؟
في حدود المصادر المتاحة، لا تظهر شهادة واضحة وبارزة من حسين الطراونة أو راشد الخزاعي أو علي خلقي الشرايري أو غيرهم تقول إن عارف العارف هو الذي حرّكهم ضد المعاهدة، أو قاد نشاطهم، أو دفعهم إلى عقد المؤتمر الوطني.
عدم وجود مثل هذه الشهادة لا يثبت أن عارف لم يكن له دور.
فقد يكون قد قدم الرأي أو المشورة.
وقد يكون قريباً من بعض القادة.
وقد يكون تعاطف معهم وساعدهم بطريقة ما.
لكن ذلك يضع حدوداً واضحة أمام أي محاولة لجعله صاحب الدور المحوري في الحركة.
وهنا يجب أن نفرق بين: مشارك أو متعاطف أو مستشار وبين: قائد ومحرك للحركة الوطنية.
والثاني يحتاج إلى أدلة مستقلة أقوى بكثير.
سنة 1936: مفتاح مهم لفهم شخصيته
كان من السهل سابقاً النظر إلى استمرار عارف العارف في حكومة الانتداب البريطاني أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936 باعتباره تناقضاً مع صورته القومية.
لكن التدقيق يكشف أن الأمر أكثر تعقيداً.
فالثورة الفلسطينية الكبرى لم تكن خلافاً إدارياً محدوداً، بل كانت مواجهة وطنية واسعة مع سلطة الانتداب البريطاني، بدأت بإضراب عام واسع ثم تطورت إلى ثورة مسلحة امتدت حتى عام 1939.
وكانت المطالب الفلسطينية واضحة: وقف الهجرة اليهودية، والحد من انتقال الأراضي العربية، وإنهاء السياسات التي تخدم المشروع الصهيوني، وإقامة نظام سياسي يعبر بصورة أفضل عن إرادة العرب الفلسطينيين.
وكان رد السلطات البريطانية عنيفاً، وشمل الاعتقالات والمداهمات والنفي والإجراءات العسكرية والقوانين الاستثنائية.
أين كان عارف العارف؟
كان عارف العارف أثناء هذه الأحداث موظفاً في حكومة الانتداب البريطاني.
فبعد خروجه من شرق الأردن سنة 1929، عاد إلى فلسطين وعمل قائماً مقاماً في بئر السبع لسنوات طويلة، ثم شغل مناصب أخرى لاحقاً في غزة ورام الله والقدس.
وعندما بدأت الثورة الفلسطينية عام 1936، لم يترك عارف العارف الحكومة البريطانية.
لكنه في الوقت نفسه لم يكن صامتاً تماماً تجاه السياسة البريطانية.
ففي 30 حزيران 1936 كان من بين أكثر من مئة من كبار الموظفين العرب في حكومة الانتداب الذين رفعوا مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني تنتقد السياسة البريطانية وتوضح أن جانباً كبيراً من المظالم والشكاوى العربية كان مشروعاً، وأن فقدان الثقة بالسياسة البريطانية أسهم في تفجر الأزمة.
وهذه الواقعة مهمة جداً لأنها تغير الطريقة التي ينبغي أن نفهم بها شخصيته.
قومي يعمل من داخل النظام
ما تكشفه واقعة 1936 هو أن عارف العارف كان قادراً على معارضة السياسة البريطانية من داخل الجهاز الإداري البريطاني نفسه.
كان يرى، على ما يبدو، أن بإمكانه الاحتفاظ بمواقفه القومية، وانتقاد بعض سياسات السلطة، وفي الوقت نفسه الاستمرار موظفاً في الدولة القائمة.
وهذا نموذج سياسي يختلف عن نموذج الثائر الذي يترك الوظيفة ويحمل السلاح، كما يختلف عن نموذج الموظف الموالي الذي لا يعترض على سياسات الحكومة.
الأقرب إلى شخصيته هو وصفه بأنه قومي براغماتي يعمل من داخل المؤسسة. وهذا لا ينتقص بالضرورة من وطنيته، لكنه يحدد طبيعة ممارسته السياسية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الأردن عام 1928؟
هذا الفهم يجعل من المعقول أكثر أن يكون عارف العارف قد عارض معاهدة 1928 فعلاً.
فما فعله في 1936 يقدم لنا نموذجاً موثقاً لسلوكه: يبقى داخل الجهاز الإداري، لكنه يعارض بعض سياسات السلطة من داخله.
إذن ليس من الضروري القول إن استمراره في الخدمة البريطانية ينفي موقفه القومي أو يجعل روايته عن رفض المعاهدة غير قابلة للتصديق.
لكن هذا الاستنتاج يقود إلى نقطة أخرى أكثر أهمية:
إذا كانت طريقة عارف السياسية هي الاعتراض من داخل النظام، فهذا لا يجعله تلقائياً قائداً لحركة شعبية من خارج النظام.
وهنا يصبح التمييز حاسماً.
يمكن أن نصدقه حين يقول إنه عارض المعاهدة.
يمكن أن نقبل أنه تعاطف مع الحركة.
يمكن أن نقبل أنه قدم النصيحة وربما مارس تأثيراً في بعض الأشخاص.
لكن لا يمكن أن ننتقل من ذلك إلى القول أو الإيحاء بأنه كان صاحب الحركة أو محرك الأردنيين ضد المعاهدة.
الثورة الفلسطينية لا تنفي وطنيته
من المهم أيضاً ألا نستخدم سنة 1936 استخداماً غير منصف.
فبقاء عارف العارف في الخدمة البريطانية أثناء الثورة الفلسطينية لا يكفي لوصفه بأنه غير وطني.
كان عدد كبير من العرب الفلسطينيين يعملون في مؤسسات الحكومة والقضاء والتعليم والإدارة، ولم يكن العمل في جهاز الدولة تحت الانتداب دليلاً تلقائياً على الولاء السياسي لبريطانيا.
ومذكرة كبار الموظفين العرب سنة 1936 تثبت أن بعض هؤلاء كانوا ينتقدون السلطة التي يعملون لديها ويعتبرون المطالب العربية مشروعة.
وعليه، فإن الموقف الأدق ليس القول: كان الفلسطينيون يثورون بينما كان عارف يخدم البريطانيين.
بل: كان الفلسطينيون يثورون على حكومة الانتداب، وكان عارف العارف موظفاً فيها، لكنه شارك في الوقت نفسه في احتجاج رسمي من داخلها على سياساتها.
وهذه صورة أكثر إنصافاً.
لكنها أيضاً تضع حدوداً لدوره
إذا قبلنا هذه الصورة، فعلينا أن نقبل نتائجها كاملة.
عارف لم يكن ثائراً راديكالياً خارج المؤسسة.
ولم يكن قائداً لحركة مسلحة أو شعبية ضد بريطانيا.
كان أقرب إلى الإداري القومي الذي يحاول التعبير عن مواقفه والعمل ضمن هامش المعارضة من داخل النظام.
وهذا يساعدنا على وضع دوره في الأردن في حجمه الصحيح.
فحتى لو كان من أكثر الموظفين نقداً للمعاهدة، فإن ذلك لا يجعله بديلاً عن حسين الطراونة وراشد الخزاعي وعلي خلقي الشرايري ومثقال الفايز وسليمان السودي وغيرهم من رجال الحركة الأردنية.
استمراره في الإدارة بعد الثورة
كما أن عارف العارف لم يترك الإدارة البريطانية بعد سنة 1936 أو حتى بعد انتهاء الثورة سنة 1939، بل استمر في مناصب إدارية أخرى حتى السنوات الأخيرة من الانتداب.
وهذا يؤكد أن نموذج عمله السياسي لم يكن قائماً على القطيعة مع البريطانيين، بل على الجمع بين الخدمة الإدارية والموقف القومي والاعتراض المحدود أو المؤسسي على بعض السياسات.
ومن هنا يجب قراءة سيرته كلها بهذه الصورة المركبة، لا بصورة الأبيض والأسود.
عارف العارف بين المؤرخ والشاهد على نفسه
لا شك أن عارف العارف من المؤرخين الفلسطينيين المهمين، وأن مؤلفاته تشكل مادة قيمة لفهم تاريخ فلسطين والقدس والنكبة.
لكن هناك فرقاً بين أن يكتب عن حدث، وبين أن يكتب عن دوره الشخصي داخل الحدث.
حين يكتب عن المعاهدة، فهو مؤرخ وشاهد.
وحين يكتب عن نفسه وموقعه منها، يصبح أيضاً صاحب مصلحة في الطريقة التي سيُفهم بها دوره.
وهذا لا يعني الكذب.
فالمذكرات الشخصية بطبيعتها انتقائية، ويعيد الإنسان فيها تفسير حياته بعد أن يعرف كيف انتهت الأحداث.
ولذلك يجب أن تبقى العبارة العلمية الضرورية حاضرة: بحسب رواية عارف العارف نفسه.
ثم يأتي دور المصادر الأخرى.
لا يجوز اختزال الحركة الأردنية في رواية فرد
أصل الاعتراض هنا ليس على وطنية عارف العارف.
بل على كيفية توزيع الفضل التاريخي.
فالحركة الأردنية ضد معاهدة 1928 لم تكن وليدة موظف واحد.
كان لدى الأردن قيادات سياسية وعشائرية وقومية ذات تاريخ طويل.
وكان بعضهم من رجال الحركة الاستقلالية العربية الذين سبقوا وصول عارف إلى البلاد بسنوات.
وكان بينهم حسين الطراونة، راشد الخزاعي، علي خلقي الشرايري، مثقال الفايز، سليمان السودي، مصطفى المحيسن، محمد صبحي أبو غنيمة، نمر الحمود، نجيب الشريدة وغيرهم.
وعندما انعقد المؤتمر الوطني الأول، لم يكن عارف العارف رئيسه.
كان حسين الطراونة هو رئيس المؤتمر ورئيس لجنته التنفيذية.
وهذه حقيقة يجب أن تحتل مكانها الطبيعي في الرواية.
الأردنيون لم يحتاجوا إلى من يحرضهم
ليس من المنصف أن تعطي بعض المذكرات انطباعاً بأن حركة سياسية وطنية كاملة يمكن تفسيرها عبر شخص واحد.
الأردنيون في 1928 كانوا قادرين على فهم مصالحهم. وكانوا يعرفون معنى السيادة والاستقلال.
وكانوا قد عاشوا سنوات تأسيس الإمارة، وتأثيرات الثورة العربية الكبرى، وسقوط الدولة العربية في دمشق، والصراع على مستقبل المنطقة.
وكانت لديهم قياداتهم وتنظيماتهم وشبكاتهم الاجتماعية والسياسية.
ولهذا فإن الحديث عن احتمال تأثير عارف العارف يجب أن يبقى في حدوده:
قد يكون مؤثراً في بعض النقاشات.
قد يكون قريباً من بعض القادة.
قد يكون معارضاً للمعاهدة من داخل الجهاز الرسمي.
لكن الحركة نفسها لم تكن بحاجة إلى من يصنعها من الخارج.
لا ظلم لعارف ولا ظلم للأردنيين
الإنصاف يقتضي موقفاً وسطاً واضحاً.
لا ينبغي نزع الوطنية عن عارف العارف بسبب عمله في الإدارة البريطانية.
فسنة 1936 نفسها تقدم دليلاً على قدرته على انتقاد السياسة البريطانية وهو موظف فيها.
كما أن له تاريخاً قومياً وصحفياً معروفاً، ثم ترك لاحقاً تراثاً مهماً في خدمة الذاكرة الفلسطينية.
وفي المقابل لا ينبغي تحويل هذا الرجل، من خلال شهادته الذاتية، إلى قائد للحركة الوطنية الأردنية سنة 1928 من دون أدلة مستقلة.
يمكن الاعتراف بأنه كان معارضاً للمعاهدة.
ويمكن الاعتراف بأنه ربما تعاطف مع الحركة وقدم المشورة لبعض رجالها.
لكن ذلك شيء، والقول إنه كان وراء المظاهرات أو صاحب التأثير الحاسم في الحركة شيء آخر.
الخلاصة
تظهر سيرة عارف العارف رجلاً أكثر تعقيداً مما تسمح به الأحكام السريعة.
كان قومياً عربياً، لكنه اختار العمل داخل أجهزة الحكم القائمة.
عارض بعض السياسات البريطانية، لكنه لم يجعل تلك المعارضة تعني دائماً القطيعة مع الوظيفة.
وفي سنة 1936 أثبت أنه قادر على البقاء موظفاً في حكومة الانتداب وفي الوقت نفسه المشاركة في موقف رسمي عربي ينتقد سياستها.
وهذا يساعد على تصديق أن معارضته لمعاهدة 1928 قد تكون كانت حقيقية.
لكنه لا يثبت أن عارف العارف كان قائد الحركة الأردنية ضدها.
ولا توجد، حتى الآن، شهادة أردنية مستقلة بارزة تمنحه هذا الدور.
ولا يوجد نص صريح يثبت أنه استقال من حكومة شرق الأردن بسبب المعاهدة تحديداً.
ولا يظهر أنه كان عضواً في حزب الاستقلال العربي الذي شارك عدد من رجاله الأمير عبدالله في بدايات بناء الإمارة.
ولهذا فإن الموقع الأكثر إنصافاً له هو: عارف العارف كان شاهداً مهماً، وموظفاً قومياً ذا موقف نقدي، وربما مشاركاً ومتعاطفاً مع بعض أوجه المعارضة الأردنية، لكن حجم دوره يجب أن يبقى في الحدود التي تثبتها الأدلة المستقلة.
أما الحركة الوطنية ضد معاهدة 1928، فكانت حركة أردنية أصيلة صنعها الأردنيون، وقادها رجالهم، وعبر عنها مؤتمرهم الوطني، وصاغوا من خلالها مطالبهم في الاستقلال والسيادة والقرار الوطني.
وبذلك لا نحتاج إلى التقليل من عارف العارف كي نعطي الأردنيين حقهم.
يكفي أن نفرق بين المعارض من داخل النظام وبين قادة الحركة الوطنية في المجتمع.
فالتاريخ المنصف لا يسلب أحداً دوره، لكنه أيضاً لا يمنح أحداً دوراً أكبر مما تثبته الوقائع.
وعندما يتعلق الأمر بمقاومة معاهدة 1928، يبقى الفضل التاريخي الأساسي للأردنيين ولحركتهم الوطنية التي عبّرت بوضوح عن إرادة البلاد في الاستقلال والسيادة.