
لم تكن خنشلة، مساء السبت، أمام حريق جديد فحسب، بل كانت أمام اختبار آخر لروحها التضامنية وقدرتها على مواجهة الخطر، فمنذ اندلاع النيران ظهرا بغابة حمام الصالحين، بمحاذاة مفترق الطرق المؤدي إلى حديقة التسلية ومستشفى أحمد بن بلة والطريق الاجتنابي، تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة حقيقية مع ألسنة اللهب، بعد ما ساهمت الرياح القوية والحرارة القياسية، في سرعة انتشارها وتصعيد خطورتها.
الحماية المدنية، مصالح الغابات، وحدات الجيش الوطني الشعبي، الدرك الوطني، مصالح الأمن، جميعها في حالة استنفار، وفي المقابل مواطنون من مختلف الأعمار، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، نزلوا إلى الميدان للمساهمة في إخماد الحريق ومساندة فرق التدخل، نساء حملن “بيادين” المياه والخل، وشباب تنقلوا حاملين وسائل الإطفاء والعتاد البسيط، وآخرون ظلوا بالقرب من أعوان الحماية المدنية والغابات، يمدّون يد العون ويشاركون في تطويق ألسنة النيران، في صورة تختصر معنى التضامن الشعبي الحقيقي عندما تتحول الكارثة إلى مسؤولية جماعية، ولم تمنع كثافة الدخان وصعوبة التنفس وحرارة المكان المواطنين من البقاء في الميدان، بل كان الإصرار أكبر من الخوف، وكانت الرغبة في حماية الغابة والمناطق السكنية والمنشآت المحاذية لها أقوى من كل الصعوبات، خاصة أن هذه الغابة الساحرة، كانت في الربيع الماضي، مفخرة بزهورها وخضرتها.
ومع اتساع رقعة التدخل، تعززت خنشلة بوسائل بشرية ومادية إضافية، من خلال وصول الرتل المتنقل للحماية المدنية لولاية أم البواقي، وكذا الرتل المتنقل لولاية باتنة، المجاورتين، إلى جانب حشود من قوات الجيش الوطني الشعبي ورجال الدرك الوطني، لتتواصل عملية محاصرة النيران والسيطرة عليها، وفي سماء خنشلة، كان التدخل الجوي حاضرا بقوة، من خلال أربع مروحيات تابعة للقوات الجوية للجيش الوطني الشعبي، إلى جانب مروحيات تابعة للحماية المدنية وأخرى لقوات الدرك الوطني، في مشهد يعكس حجم التعبئة والاستنفار لمواجهة هذا الحريق.
لكن وسط كل هذه الوسائل والتجهيزات، برز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو المواطن الخنشلي الذي رفض أن يكون مجرد متفرج، ففي الوقت الذي كانت فيه ألسنة اللهب تشتعل والرياح تدفع بها في اتجاهات مختلفة، كان المواطنون في الصفوف الأولى، جنباً إلى جنب مع رجال الغابات والحماية المدنية وأفراد الجيش والدرك الوطني ومصالح الأمن، في صورة جسدت أبهى معاني التلاحم بين الشعب ومؤسسات الدولة.
الجيش الأبيض في الخطوط الأمامية للمعركة
وفي خضم الملحمة التضامنية التي عاشتها خنشلة، في مواجهة حرائق غابة حمام الصالحين، كانت هناك معركة أخرى تجري بعيدا عن ألسنة اللهب، خلف أبواب المصالح الاستشفائية، يقودها رجال ونساء يطلق عليهم بحق الجيش الأبيض، فمع ارتفاع حجم التدخل الميداني، أعلنت مصالح الاستعجالات الطبية حالة طوارئ، ووضعت مختلف إمكاناتها البشرية والمادية في حالة تأهب قصوى، تحسباً لأي طارئ قد ينجم عن الحريق، خاصة مع كثافة الدخان والحرارة وصعوبة التنفس التي رافقت عمليات الإخماد.
ومنذ الساعات الأولى، تجندت الأطقم الطبية وشبه الطبية، وفتحت أبواب الاستعجالات أمام عشرات الحالات التي تم استقبالها، من بينها إصابات متفاوتة الخطورة، وجروح وحروق، إلى جانب حالات عانت من ضيق التنفس والتأثر بالدخان، خصوصاً في صفوف المتدخلين والمواطنين الذين كانوا قريبين من موقع الحريق.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحماية المدنية والغابات والجيش والدرك والمواطنين يخوضون معركة في الميدان، كان الأطباء والممرضون وشبه الطبيين وأعوان مختلف المصالح الاستشفائية يخوضون معركة أخرى، عنوانها الاستقبال، الإسعاف، التكفل والمراقبة الطبية، فإمكانات بشرية ومادية سخرت، وفرق وضعت في حالة استعداد، وأطقم واصلت عملها تحت ضغط كبير، من دون ضجيج أو أضواء، لتقديم الإسعافات والتكفل بالمصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية، وهكذا، لم تكن مواجهة حريق حمام الصالحين معركة رجال الإطفاء والغابات فقط، بل كانت منظومة متكاملة شارك فيها الجميع: من يواجه النار في الجبل، ومن يسعف المصاب في المستشفى، ومن يسند المتدخلين، ومن يمد يد العون في الميدان.
وفي انتظار أن تكشف التحقيقات أسباب اندلاع هذه الحرائق، تبقى صورة تلك الامسية، شاهدة على ملحمة تضامنية عنوانها الأبرز، الجميع في خندق واحد عندما يتعلق الأمر بحماية خنشلة.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post أعنف حريق يضرب غابات خنشلة في شهر أوت appeared first on الشروق أونلاين.





