عالم تحت حكم الاستعراض
لم تعد السياسة الدولية كما كانت تُعرف يوماً بوصفها مساحة تُدار بعقلانية ووقار، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مسرح مفتوح للاستعراض والصخب. في قلب هذا التحول يبرز اسم دونالد ترامب، الذي قدّم نموذجاً مختلفاً للقيادة، قائماً على الإثارة والضجيج أكثر من التوازن والحكمة.
بدلاً من الالتزام بقواعد الدبلوماسية التقليدية، تعامل ترامب مع القضايا الكبرى بعقلية نجم تلفزيوني يقيس النجاح بحجم التفاعل، لا بعمق النتائج. قراراته، مثل الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ أو من الاتفاق النووي الإيراني، لم تُقدَّم كخطوات استراتيجية مدروسة بقدر ما بدت استعراضات سياسية أحدثت ضجيجاً واسعاً وتركت تداعيات عميقة على الاستقرار الدولي.
هذا النهج انعكس أيضاً في أسلوبه الخطابي، حيث استُبدلت اللغة الدبلوماسية الرصينة بعبارات حادة وتصريحات مفاجئة، وصلت أحياناً إلى حد التهديد المباشر، كما في تعامله مع كوريا الشمالية أو انتقاداته اللاذعة لحلفائه في حلف الناتو. النتيجة كانت حالة من عدم اليقين، جعلت العلاقات الدولية أكثر هشاشة وتقلباً.
لم يقتصر الأمر على الخطاب، بل امتد إلى طريقة التعاطي مع القادة والدول، حيث غلبت النزعة الشخصية والانفعالية على حساب الأعراف السياسية. هذا الأسلوب، الذي اتسم بالسخرية والتقليل من الخصوم، ساهم في إضعاف مفهوم الهيبة السياسية، وأعاد تشكيل صورة القيادة العالمية بطريقة غير مألوفة.
في سياق أوسع، لا يبدو ترامب حالة منفصلة، بل امتداداً لنماذج سابقة جمعت بين الشعبوية والاستعراض، مثل سيلفيو برلسكوني وبينيتو موسوليني، وصولاً إلى جايير بولسونارو. غير أن خطورة الحالة الأمريكية تكمن في موقعها كقوة عالمية كبرى، ما يجعل أي تحول في أسلوب قيادتها ذا تأثير واسع على النظام الدولي.
في ظل هذا الواقع، برزت مخاوف حقيقية من تآكل القواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول، حيث أصبحت الاتفاقيات عرضة للتقلب، وتراجعت الثقة بالمؤسسات الدولية. كما ساهمت هذه الديناميكية في تعزيز خطاب شعبوي عالمي، يغري قادة آخرين بتقليد هذا النموذج القائم على كسر القواعد بدل الالتزام بها.
الأخطر من ذلك أن القرارات المصيرية باتت تُصاغ أحياناً تحت تأثير اللحظة الإعلامية، لا وفق حسابات استراتيجية طويلة الأمد. ومع غياب الثبات في المواقف، يرتفع خطر سوء التقدير، ما قد يؤدي إلى أزمات يصعب احتواؤها.
في النهاية، لا تتعلق المسألة بشخص واحد فقط، بل بتحول أوسع في مفهوم القيادة السياسية. فحين تتحول السياسة إلى عرض، وتُقاس القوة بالصوت المرتفع لا بالحكمة، يصبح العالم أكثر عرضة للاضطراب. وبين ضجيج «الترند» ومتطلبات الاستقرار، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع النظام الدولي استعادة توازنه، أم أن زمن الاستعراض سيستمر في إعادة تشكيله؟
The post عالم تحت حكم الاستعراض appeared first on Beirut News Center.




