هلا أخبار – خاص – تحمل زيارة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية دلالات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز إطار الزيارة الثنائية التقليدية، في ظل انتقال العلاقات الأردنية الصينية إلى مرحلة جديدة تستند إلى تراكم عقد كامل من الشراكة الاستراتيجية، وتفتح آفاقا أوسع للتعاون في قطاعات الاستثمار والتجارة والسياحة والصناعة والتكنولوجيا والمياه والطاقة والنقل.
وتأتي الزيارة، وهي التاسعة لجلالته إلى الصين منذ توليه سلطاته الدستورية، في توقيت بالغ الأهمية؛ إذ تتزامن مع مرور عشرة أعوام على الارتقاء بالعلاقات الأردنية الصينية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، فيما يستعد البلدان العام المقبل للاحتفال بمرور خمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.
ويرى رئيس مركز الدستور للدراسات الاستراتيجية، الصحفي عوني الداود، أن أهمية الزيارة الحالية تكمن في كونها تؤسس لمرحلة تتجاوز مفهوم الشراكة الاستراتيجية التي أُعلنت قبل عقد، باتجاه تعميق التعاون في مجالات أكثر تنوعاً، مدفوعة بتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة.
وأشار في حديثه لبرنامج “عوافي” الذي يبث عبر إذاعة جيش أف أم، إلى أن العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين شهدت خلال السنوات العشر الماضية نموا ملحوظا في الاستثمارات والتبادل التجاري، رغم استمرار اختلال الميزان التجاري لمصلحة الصين، مؤكدا أن طبيعة العلاقة الحالية لم تعد محصورة في التجارة، وإنما أصبحت تشمل التكنولوجيا والاستثمار والمشاريع الكبرى والتعاون القطاعي.
15 بندا تؤسس لمرحلة جديدة
ويبرز البيان المشترك الصادر في ختام الزيارة، بما تضمنه من 15 بندا، باعتباره مؤشرا على اتساع نطاق التوافق الأردني الصيني، ليس على المستوى الاقتصادي والاستثماري فحسب، وإنما أيضا في الملفات السياسية والإقليمية.
وبحسب الداود، فإن مضامين البيان تعكس توافقا في عدد من القضايا السياسية، بما فيها التأكيد على الحوار والحلول السياسية لمعالجة أزمات المنطقة، إلى جانب الإشادة بالموقف الأردني تجاه دعم قطاع غزة والمساعدات الإنسانية، والتأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ويعني ذلك، وفق القراءة الاقتصادية والسياسية للزيارة، أن الأردن والصين يتجهان إلى بناء إطار أكثر شمولا للعلاقة الثنائية، يجمع بين المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي، ويهيئ المجال أمام تعاون طويل الأمد في قطاعات جديدة.
آسيا في صدارة التحرك الاقتصادي الأردني
ولا يمكن فصل زيارة الصين عن التحرك الأردني الأوسع تجاه الأسواق الآسيوية، إذ تأتي في سياق زيارات واتصالات ملكية شملت عددا من الاقتصادات الآسيوية المهمة، بهدف فتح أسواق جديدة أمام الأردن واستقطاب الاستثمارات والسياحة وتعزيز العلاقات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، وصف الداود جلالة الملك بأنه “المسوّق الأول” للأردن، من خلال فتح الأبواب أمام الاقتصاد الوطني، وتعريف المستثمرين والأسواق العالمية بالفرص المتاحة في المملكة.
وتبرز السياحة الصينية كأحد المجالات الواعدة التي يمكن أن تحقق عائدا سريعا نسبيا على الاقتصاد الأردني، خصوصا مع بحث التعاون مع شركات صينية كبرى في مجال التسويق السياحي، والعمل على تعزيز حضور الأردن على منصات الترويج السياحي الموجهة إلى السوق الصيني.
وتكتسب هذه السوق أهمية إضافية في ظل قدرة السياحة على توليد فرص عمل وتحريك قطاعات متعددة مرتبطة بالنقل والفنادق والمطاعم والخدمات والتجارة.
من السياحة إلى الاقتصاد الرقمي وصناعة الأفلام
ولا تقتصر مجالات التعاون التي برزت خلال الزيارة على القطاعات الاقتصادية التقليدية، بل تمتد إلى مجالات جديدة، من بينها صناعة الأفلام، والإعلام الرقمي، والصناعات الرقمية، والتجارة الإلكترونية.
ويعكس إدراج هذه المجالات في أجندة التعاون الأردني الصيني، وفق الداود، اتجاها نحو الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الصينية في قطاعات ترتبط بالاقتصاد الجديد، بما ينسجم مع توجهات التحديث الاقتصادي الأردني.
كما تضمن التعاون ملفات تتصل بالمياه والتدريب وبناء القدرات، في ظل أهمية الخبرة الصينية في إدارة الموارد المائية وتنفيذ المشاريع والبنية التحتية.
الاستثمار الصيني وفرص المشاريع الكبرى
وتشير المعطيات التي طرحها الداود إلى أن حجم الاستثمارات الصينية في الأردن يتجاوز 3 مليارات دولار، مع تركز جانب مهم منها في قطاعات الطاقة والمياه وغيرها من المجالات الإنتاجية والخدمية.
ويرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد زيادة في هذه الاستثمارات، خصوصا مع اتساع قائمة المشاريع الكبرى التي يعمل الأردن على تنفيذها ضمن رؤية التحديث الاقتصادي.
وتشمل هذه المشاريع قطاعات النقل والسكك الحديدية والمشاريع الحضرية الكبرى، إضافة إلى مشاريع البنية التحتية والطاقة والمياه، وهي قطاعات تمتلك فيها الشركات الصينية خبرة واسعة وقدرة تمويلية وتنفيذية يمكن أن تشكل قيمة مضافة للاقتصاد الأردني.
كما تمثل اتفاقية النقل الجوي بين الأردن والصين خطوة مهمة في تطوير حركة السفر والتبادل التجاري والسياحي بين البلدين، خصوصا إذا ما ترافقت مع إجراءات عملية لتسهيل حركة المواطنين والسياح والمستثمرين.
التنفيذ هو الاختبار الحقيقي
ويرى الداود أن نجاح الزيارة لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها، وإنما بقدرة المؤسسات الأردنية على تحويلها إلى مشاريع وفرص اقتصادية ملموسة.
ويحتاج ذلك، بحسبه، إلى ورشة عمل حكومية متكاملة لمتابعة تنفيذ مخرجات الزيارة، وتحديد الجهات المسؤولة والجداول الزمنية ومؤشرات الإنجاز، بحيث تنتقل الاتفاقيات من الإطار السياسي إلى التطبيق الاقتصادي.
ويبرز هنا دور القطاع الخاص، الذي ينبغي أن يلتقط الفرص التي أتاحتها الزيارة، ويدخل في شراكات مع الشركات الصينية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية ضمن رؤية التحديث الاقتصادي.
فالاستثمار لا يتحول إلى أثر اقتصادي بمجرد توقيع الاتفاقيات؛ بل يحتاج إلى بيئة أعمال جاذبة، وإجراءات ترخيص مرنة، وتسهيلات جمركية، وبنية تحتية ملائمة، وخدمات لوجستية، وربط جوي مباشر وفعال، إضافة إلى تسهيل إجراءات التأشيرات.
الأردن بوابة محتملة لإعادة إعمار سوريا
ومن بين الفرص الاستراتيجية التي يمكن للأردن البناء عليها، إمكانية الاستفادة من موقعه الجغرافي ليكون بوابة أمام الاستثمارات الصينية المرتبطة بإعادة إعمار سوريا عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية بذلك.
ويمنح الموقع الجغرافي للأردن، إلى جانب بنيته التحتية وشبكة علاقاته الإقليمية، فرصة للعب دور لوجستي واقتصادي في حركة التجارة وإعادة الإعمار، ما يمكن أن يفتح مجالات أمام النقل والخدمات اللوجستية والصناعة والتجارة والاستثمار.
وهنا فإن “العلاقة الأردنية الصينية تتجاوز حدود التبادل الثنائي”، لتلامس دور الأردن المحتمل في منظومة اقتصادية إقليمية أوسع.
فرصة أمام الاقتصاد الأردني
وتشير قراءة مخرجات الزيارة إلى أن الفرصة الأكبر أمام الأردن تتمثل في تحويل الشراكة مع الصين من علاقة تجارية يغلب عليها استيراد السلع إلى علاقة إنتاج واستثمار ونقل تكنولوجيا.
فالتحدي الأساسي ليس فقط في زيادة حجم التبادل التجاري، وإنما في “تحسين نوعية هذا التبادل، وزيادة الصادرات الأردنية إلى السوق الصينية، واستقطاب استثمارات صينية ذات قيمة مضافة، وربطها بسلاسل الإنتاج المحلية، بما ينعكس على فرص العمل ونقل المعرفة ورفع تنافسية الاقتصاد”.
وتكتسب هذه الأولوية أهمية خاصة في ظل استمرار اختلال الميزان التجاري لمصلحة الصين، الأمر الذي يستدعي استراتيجية أردنية أكثر نشاطا في التصدير، والترويج للمنتجات الأردنية، واستثمار الاتفاقيات الجديدة للوصول إلى السوق الصينية.
من الاتفاقيات إلى النتائج
وتؤكد مخرجات الزيارة أن الأردن يقف أمام فرصة اقتصادية مهمة، لكن الاستفادة منها تتطلب انتقالا سريعا من مرحلة الإعلان والتوقيع إلى مرحلة التنفيذ.
فالمرحلة الجديدة من العلاقات الأردنية الصينية يمكن أن تشكل منصة لاستقطاب الاستثمارات، وتنمية السياحة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع التعاون في الطاقة والمياه والصناعة والزراعة.
وفي المحصلة، فإن “القيمة الحقيقية للزيارة الملكية ستظهر على الأرض من خلال حجم الاستثمارات التي ستنفذ، وعدد المشاريع التي ستنطلق، وفرص العمل التي ستتولد، وحجم السياحة الصينية الوافدة، ومدى نمو الصادرات الأردنية إلى الصين”.




