... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
111329 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8895 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

أ. د. سلطان المعاني : ساحة مستباحة

أخبارنا
2026/04/06 - 00:52 502 مشاهدة

يتكشف في الشرق الأوسط هذه الأيام مشهد يضغط على الأعصاب ويجرح الفكرة ذاتها التي قامت عليها العلاقات الدولية، فالقوى الكبرى تمضي في إدارة الصراع من علٍ بعقل المصلحة المجردة، والجماعات المسلحة الطارئة تتحرك في الشقوق التي صنعتها الحروب القديمة والجديدة، ثم تجيء هذه المنطقة مرة أخرى ساحةً جاهزة لاستقبال النار والخراب والتهجير وإعادة رسم المسافات بين المدن والحدود والبشر، حتى كأن العالم قرر أن يجعل من هذا الإقليم مختبراً دائماً لامتحان القسوة ولقياس مدى احتمال المجتمعات للصدمة بعد الصدمة، وحين يرتفع الدخان من غزة ومن جنوب لبنان ومن البحر الأحمر ومن مضيق هرمز يتبين أن الخلل صار مناخاً عاماً يهبط على القرارات الكبرى ويعيد تشكيل اللغة نفسها، فتغدو القوة مصدراً للشرعية، ويغدو العقاب الجماعي أداةً تفاوضية، وتغدو حياة الناس تفصيلاً ثقيلاً يوضع على هامش الخطط العسكرية والبيانات الدبلوماسية. وتظهر الحافة الغربية من الإقليم أكثر المناطق كشفاً لهذا الانفلات، ففي غزة تستمر الضربات رغم ترتيبات التهدئة التي يفترض أنها فتحت باباً إلى التقاط الأنفاس، وقد تحدثت رويترز يوم أمس الأول عن تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين اثنين وسبعين ألفاً، وعن مقتل أكثر من ثلاثمئة وتسعين من موظفي الأونروا خلال الحرب، وهو رقم يهز الضمير الإنساني ويضع المؤسسات الدولية أمام مسؤوليات ثقال، ثم تأتي الضربات اليومية لتؤكد أن الخراب حين يستقر في السياسة يتحول إلى إيقاع معتاد، فتتراجع حساسية العالم تجاه صور الجوع والنزوح والأنقاض، وتدخل المأساة طوراً جديداً يصبح فيه موت المدنيين خبراً عادياً في دورة الأخبار، ومع هذا الاعتياد تفقد الكلمات وزنها الأخلاقي، لأن كثرة التكرار تسحب من الفجيعة حدتها في الوعي الدولي وتمنح الفاعلين مزيداً من الجرأة على المضي في الطريق ذاته، ومن القانون الدولي مجرد أوراق متطايرة. ويحمل لبنان بدوره صورة أخرى من صور الزمن المنفلت حين يتحول شريط حدودي كامل إلى مشروع اقتلاع منظم، فقد نقلت رويترز عن وزير الدفاع الإسرائيلي إعلاناً يتحدث عن تدمير جميع البيوت في القرى اللبنانية المحاذية للحدود وعن إقامة منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، مع بقاء مئات الآلاف بعيدين عن قراهم، وقد ترافق ذلك مع اتساع أعداد النازحين إلى أكثر من مليون ومئتي ألف ومع غارات وصلت إلى محيط بيروت، وهنا يتجاوز المشهد حدود الاشتباك العسكري إلى تصور جديد للمكان نفسه، تصور يراه قابلاً للمحو وإعادة التشكيل بالقوة، ويعامل البيوت والحقول والطرقات والجسور على أنها عناصر في معادلة ميدانية قابلة للإزالة ما دام الهدف الأمني يطلب ذلك، وعند هذه النقطة يدخل الشرق الأوسط مرحلة شديدة الخطورة، لأن الحرب تخرج من منطق المواجهة بين خصمين إلى منطق إعادة هندسة الجغرافيا السكانية، وحين تصبح القرية هدفاً دائماً والعودة المؤجلة جزءاً من الخطة، فإن المعيار القيمي يهبط هبوطاً فادحاً وتعلو مكانه شريعة الغلبة العارية. وعند الحافة الشرقية يكتمل المشهد على نحو يوضح أن الفوضى الراهنة تمتلك رعاة كباراً وأذرعاً صغرى في آن واحد، فمضيق هرمز عاد إلى قلب التهديد، والرئيس الأميركي صرّح وفق أسوشيتد برس بأن على الدول المستفيدة من المضيق أن تتحمل عبء تأمينه، فيما دخل الحوثيون مسار الحرب عبر إطلاق صواريخ على إسرائيل وتجددت المخاوف على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وقد أشارت أسوشيتد برس إلى أن هذا الممر يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، وهي نسبة تكفي وحدها لفهم كيف تنتقل شرارة المنطقة إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن والغذاء في قارات بعيدة، وهنا يتضح وجه العصابات الطارئة التي تنمو في ظل الفراغ وتكتسب حجماً يفوق بنيتها الأصلية بفضل البيئات المنهكة والرهانات الدولية المتشابكة، فهذه الكيانات المسلحة لا تكتفي بتمثيل فائض العنف المحلي، وإنما تتحول إلى أوراق ضغط عابرة للحدود تستخدم الممرات البحرية والحدود المكشوفة والهويات المتصدعة من أجل فرض حضورها في لحظة إقليمية مضطربة.

ومن هنا تأتي قسوة العبارة التي تقول إن ساحة الشرق الأوسط بقيت كما كانت دائماً، فالمقصود هنا أعمق من التوصيف السياسي السريع، إذ يتعلق الأمر ببنية عالمية ترى هذه المنطقة قابلة للتجريب أكثر من سواها، وقابلة لتحمل الكلفة البشرية أكثر من سواها، وقابلة لأن تُدار بالردع حيناً وبالاستنزاف حيناً آخر وبالتسويات المؤقتة حين تقتضي المصالح الكبرى ذلك، بينما تدفع المجتمعات العربية من أعمارها ومن عمرانها ومن استقرارها ومن صورتها عن المستقبل أثماناً متراكمة، ولهذا فإن الحديث عن انفلات قيمي تقوده دول كبرى وعصابات طارئة يلامس جوهر اللحظة الراهنة بدقة مؤلمة، لأن معيار العالم ينكشف اليوم تحت الدخان، ولأن القانون يضعف كلما اقترب من هذه الجغرافيا، ولأن الدم العربي ما زال يجد حوله وفرة في المفسرين وندرة في الحماة، ولأن الشرق الأوسط ما زال يدفع ثمن موقعه وثرواته وتاريخه المفتوح على المطامع، فيما يحتاج أهله إلى عقل سياسي أكثر تماسكا وإلى حس تاريخي يعرف أن الساحة التي تُترك لغيرها زمناً طويلاً تتحول مع الأيام إلى خرائط يكتبها الآخرون ويعيشها أصحاب الأرض تحت النار.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤