أ. د. صلاح العبادي : عقول مختطفة!
أثبتت الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة الإيرانيّة على مدى نحو ستة أسابيع متصلة بأنّ هنالك الكثير من العقول العربيّة مختطفة، فهي تراهن على إيران التي وظّفت مواردها الماليّة للتسليح والعسكرة، لتحقيق أجندتها الراميّة لتصدير أيديولوجيتها العقائديّة ومحاولة تصدير ثورتها أيضًا تجاه الدول العربيّة خصوصًا الجارة منها، من خلال إيجاد أذرعها ووكلائها في المنطقة وتعزيز حضروهم من خلال جعل مواردها الماليّة ومقدّراتها العسكريّة تحت خدمتهم، وما أن أنطلقت شرارة الحرب، حتى أطلقت إيران صواريخها وطائراتها تجاه تلك الدول دون احترام حُسن الجوار أو العلاقات الدبلوماسيّة. على مدى عقود من الزمن غسلت إيران عقولٍ وأدمغة عربيّة، غدت تعتقد بأنّ طهران تعملُ لخدمة القضيّة الفلسطينيّة والقضيّة بريئة منها. من يتذكّر التاريخ عندما اندلعت أحداث السابع من أكتوبر في عام 2023، يدرك تمامًا أنّ إيران لم تتحرك في تلك المرحلة لنصرة فلسطين وأهلها ولا لقطاع غزّة المنكوب، لا على صعيد صواريخها البالستيّة ولا على صعيد إرسال المساعدات الماليّة والعينيّة، لا بل استفادت إيران من القضيّة الفلسطينيّة لتكون وجهتها في التباكي، وتحقيق المكتسبات من خلال اختراق عقولٍ وأدمغة عربيّة أصبحت مختطفة لشعارات إيران التي طالما تشدّقت بها. كما أنّ إسرائيل لها غايتها وأهدافها ومخططاتها التي تستهدف أمن منطقة الشرق الأوسط، من خلال مشاريعها الاستيطانيّة والتوسعيّة. إيران وإسرائيل على حدٍ سواء كمرض السرطان الذي يستشري في الجسد الواحد وينهشه؛ فلكلٍ منهما أجندات وغايات ومشاريع عقائديّة تهدف إلى التوسع والاحتلال وجعل المنطقة رهينة لهما على حساب أمن واستقرار الشعوب العربيّة. كما أن الواقع العربي الحالي يتطلب التخلص من الخطرين الإيراني والإسرائيلي على حدٍ سواء، بما يضمن الأمن والسّلام والاستقرار، وهو الأمر الذي جعل الدول العربيّة وشعوبها ترحبُ بمفاوضات الباكستان على أمل أن تنهي مرحلة من الصراع الأمريكي الإيراني، لا سيما وأنّ الباكستان جمعت قيادات أمريكيّة إيرانيّة بهذا المستوى من المباحثات للمرة الأولى منذ العام 1979، ليكون جلوس واشنطن وطهران، على طاولة واحدة من المفاوضات يشير إلى أن بلدي الصراع متفقان على إنهاء الحرب، وقد يكونان على حافة مواجهةٍ جديدة، في وقت تتزود فيه إيران بمنظومات دفاع جوي جديدة، بينما تعمل واشنطن على تزويد بوارجها العسكريّة وسفنها الحربيّة في المنطقة بصواريخ وقنابل حديثة، لتكون المفاوضات تحت وقع النار.. من أبرز التحديّات لفت المفاوضات مضيق هرمز، الذي على الرغم من إجماع العالم على أنّه لا يجب أن يخضع للابتزاز، إلا أنّ إيران استخدمته كورقة ضغط وابتزاز لدول العالم بأسره، متجاوزة دول الجوار التي لم تسلم منها. كما كان اللغط الكبير حوّل الخطّة الإيرانيّة المؤلّفة من عشر نقاط، والفجوة اتسعت حولها؛ فالخطّة التي نشرتها إيران غير الخطّة التي وافق عليها البيت الأبيض؛ إذ نشرت وسائل إعلامٍ إيرانيّة خطّة تتضمن مواصلة سيطرة إيران على مضيق هرمز ورفع العقوبات الدوليّة والقبول بتخصيب اليورانيوم، في وقتٍ أكّد فيه ترامب لا تخصيب لليورانيوم بعد الآن. كما أنّ إسرائيل كانت تفضّل استكمال العمليّات العسكريّة في إيران دون أن يكون مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران؛ فهي ترى أنّ المفاوضات لا يمكن أن تخدم مصالحها الجيوسياسيّة في المنطقة، وتريد أن تتجاهل دول المنطقة القضيّة الفلسطينيّة التي هي محوريّة ومفصليّة في السياسة الخارجيّة الأردنيّة، التي يوجّه الأردن بوصلة العالم نحوها كلما غفلت عنها العيون. تحديّات كبيرة تقيّد السّلام في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تدور التساؤلات أيضًا عن قيمة أي اتفاقٍ للسّلام لا تلتزم به ذراع إيران في لبنان المتمثل في حزب الله ولا تلتزم به إسرائيل أيضًا؟!. ويبقى السؤال الذي يدور في الأذهان حوّل إذا ما كانت مفاوضات إسلام أباد ستفضي إلى نتيجة جيدة أم ستتجه المنطقة نحو فصلٍ جديد من التصعيد؟!. مدير مركز الرَّأي للدراسات والأبحاث





