🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
406082 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2583 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

أ. د. احمد منصور الخصاونة : ترا أَني أولادي مِن إربد… حين تتحوّل العبارة البسيطة إلى رسالة هوية وانتماء

أخبارنا
2026/05/23 - 03:09 503 مشاهدة

يبدو أنّ عبارة «ترا أَني أولادي مِن إربد» لم تكن مجرّد جملة عابرة قيلت في مناسبة اجتماعية، بل تحوّلت خلال ساعات إلى حالة وجدانية وثقافية تفاعل معها الأردنيون على اختلاف بيئاتهم. فالناس لا تتوقّف عادة عند الكلمات البسيطة، لكنّها تتوقّف كثيراً عند الكلمات الصادقة التي تخرج بعفوية وتحمل في داخلها معنى الانتماء والدفء الإنساني. ولذلك وجدت هذه العبارة صداها الواسع، لأنها لامست شيئاً عميقاً في الوعي الجمعي الأردني؛ وهو الاعتزاز بالمكان، والافتخار بالأصل، والقدرة على التعبير عن ذلك ببساطة دون تكلّف.

لقد اعتاد الناس في الحياة العامة أن تكون اللغة الرسمية محكومة بالبروتوكولات والعبارات المنتقاة بعناية، لكنّ العبارات الشعبية القريبة من الناس تمتلك أحياناً تأثيراً أكبر من الخطب الطويلة. فعندما يتحدّث شخص بمكانته الاجتماعية بلغة الناس ولهجتهم اليومية، فإنّه يرسل رسالة غير مباشرة مفادها أنّ القرب الحقيقي من المجتمع لا يُقاس بالمناصب والألقاب، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى متصلاً بجذوره وهويته الثقافية.

وفي المجتمع الأردني تحديداً، تحمل المدن والقرى والعشائر والبيئات المحلية بعداً عاطفياً يتجاوز الجغرافيا. فإربد بالنسبة لأبنائها ليست مجرد مدينة في شمال الأردن، بل ذاكرة ممتدة من العلاقات الاجتماعية والتاريخ والثقافة والتعليم والعمل الوطني. ولهذا شعر كثير من الناس أنّ الإشارة إلى إربد في ذلك السياق لم تكن مجرد توصيف لمكان، بل احتفاء بصورة المدينة وأهلها ولهجتها وخصوصيتها الاجتماعية.

كما أعادت هذه العبارة النقاش حول العلاقة بين اللهجة والهوية. فبعض الشباب، عندما ينتقلون إلى الجامعات أو بيئات العمل المختلفة، يحاولون أحياناً تغيير طريقة حديثهم اعتقاداً أنّ اللهجة المحلية قد تُعرّضهم للأحكام الاجتماعية أو تقلّل من صورتهم أمام الآخرين. لكن الحقيقة أنّ اللهجات ليست دليلاً على التراجع أو البساطة، بل هي جزء أصيل من التنوّع الثقافي. واللهجة الأردنية بكل تنوّعاتها ــ الحورانية والسلطية والكركية والبدوية وغيرها ــ تعبّر عن تاريخ اجتماعي وثقافي طويل، وتحمل في داخلها مفردات وتجارب وذاكرة جماعية لا يمكن اختزالها أو تجاهلها.

ومن هنا جاءت قيمة العبارة؛ لأنها قدّمت نموذجاً مختلفاً في الاعتزاز بالمكان دون تعصّب، وبالهوية دون إقصاء للآخرين. فالانتماء الحقيقي لا يعني الانغلاق، بل يبدأ من التصالح مع الذات والجذور. وكلّما كان الإنسان واثقاً من هويته المحلية، كان أكثر قدرة على الانفتاح على الآخرين بثقة وراحة.

ومن زاوية أخرى، حملت العبارة بعداً اجتماعياً جميلاً يتعلق بالعلاقة الأسرية والإنسانية. ففي الثقافة الأردنية، يُنظر إلى اعتزاز الزوجة بعائلة زوجها أو اعتزاز الزوج بعائلة زوجته بوصفه تعبيراً عن الاحترام والمودّة وتماسك الروابط الاجتماعية. ولذلك رأى كثيرون في تلك الكلمات صورة عفوية تعبّر عن التقدير المتبادل داخل الأسرة، بعيداً عن الرسميات أو المظاهر.

كما أنّ التفاعل الشعبي الواسع مع الجملة يكشف طبيعة المجتمع الأردني الذي ما يزال يمنح قيمة كبيرة للتواضع والبساطة. فالناس قد تنسى كثيراً من التصريحات الرسمية، لكنها تتذكّر دائماً المواقف الإنسانية القريبة من وجدانها. وربما لهذا السبب انتشرت العبارة بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنّها بدت طبيعية وغير مصطنعة، ولأنّ الناس شعروا بأنّها تعبّر عنهم وتشبه أحاديثهم اليومية.

ومن اللافت أيضاً أنّ كثيراً من التعليقات التي رافقت تداول العبارة لم تكن سياسية أو رسمية، بل ركّزت على البعد الإنساني والثقافي فيها. فالبعض رأى فيها رسالة لتعزيز الوحدة الوطنية، وآخرون اعتبروها دعوة غير مباشرة للحفاظ على اللهجة المحلية والهوية الثقافية، بينما وجد فيها آخرون صورة من صور الاحترام المتبادل بين مكوّنات المجتمع الأردني المختلفة.

إنّ قوة المجتمعات لا تُبنى فقط بالمؤسسات والقوانين، بل أيضاً بالرموز الثقافية الصغيرة التي تمنح الناس شعوراً بالمحبة والانتماء. والكلمات البسيطة الصادقة قد تكون أحياناً أكثر قدرة على ترميم المسافات النفسية بين الناس من أي خطاب رسمي طويل. ولهذا بقيت عبارة «ترا أَني أولادي مِن إربد» حاضرة في النقاش العام؛ لأنها اختصرت معاني القرب والتواضع والاعتزاز بالأصل في جملة قصيرة وعفوية.

وفي النهاية، ربما تكمن جمالية هذه العبارة في أنها أعادت التذكير بحقيقة بسيطة: الإنسان لا يكبر بابتعاده عن جذوره، بل يكبر أكثر عندما يعتز بها دون تكلف أو استعراض. فالمدن والأماكن ليست مجرد أسماء على الخرائط، بل حكايات وهوية وذاكرة، والانتماء إليها يبقى واحداً من أكثر المشاعر الإنسانية صدقاً ودفئاً.

حفظ الله سموّ الأميرة رحمة بنت الحسن وأسرتها الكريمة، وأدام عليها نعمة الصحة والعافية، ورحم الله معالي الدكتور عارف البطاينة، الذي ترك إرثاً وطنياً وإنسانياً مشرّفاً في خدمة الأردن والقطاع الطبي.

وأطال الله بعمر سموّ الأمير الحسن بن طلال، لما يمثّله من حكمةٍ وفكرٍ ورؤيةٍ وطنيةٍ وقوميةٍ راسخة، وحفظ الله الأردن آمناً مستقراً تحت ظلّ القيادة الهاشمية الحكيمة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، وسموّ وليّ عهده الأمين الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على الوطن عزّه وأمنه ورفعته.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤