ليس واضحاً بعد فيما إذا كانت اتفاقية مكة ذات بعد استراتيجي حقيقي أم أنها اتفاقية "عادية" تُضاف إلى غيرها من الاتفاقيات التي عُقدت تاريخياً بين بعض دول الشرق الأوسط بسبب اضطراب الإقليم وتعدد محاوره، وكونه مرتعاً لنفوذ القوى العالمية الكبرى، وإذا دقّقنا في طبيعة هذه الاتفاقية بين أطرافها الثلاثة (تركيا، باكستان، السعودية) فإنّنا لا بدّ أن نلاحظ ما يلي:
أولاً: أنها تشمل دولاً ذات ثِقَلْ حقيقي فالسعودية تتوفر على مقدرة اقتصادية مُعتبرة (أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط)، ونفوذ على مستوى العالم الإسلامي، وتركيا تتميز بقوتها العسكرية (لديها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة) وصناعاتها الدفاعية المتقدمة، وباكستان تتفرد بامتلاكها للسلاح النووي، ولقدرة عسكرية وبشرية وازنة.
ثانياً: أنّ جميع أطراف هذه الاتفاقية حلفاء للولايات المتحدة بمستوى أو بآخر، ولذا فليس متوقعاً أن يكونوا بديلاً عنها كقوة كونية ذات حضور قوي في منطقة الشرق الأوسط، كما أنه ليس متوقعاً أن يقفوا وقفة جدية حاسمة من الحليف الأقرب إلى الولايات المتحدة في المنطقة وهو إسرائيل، وبغض النظر عمّا سبق فإنّ هذه الاتفاقية تحمل رسالة ضمنية مهمة مُفادها أنّ حماية الولايات المتحدة لحلفائها في المنطقة لم تعد كافية في ضوء مجريات الحرب الإيرانية الأمريكية الحالية.
ثالثاً: أنّ هذه الاتفاقية الثلاثية تعني حكماً تجاوز الأحلاف الدفاعية العربية السابقة بالنسبة للسعودية وهي تلك المتعلقة بمجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية، الأمر الذي ينقل موضوع الأمن من بُعْده العربي إلى بعده الإقليمي.
رابعاً: إنّ أطراف هذه الاتفاقية ليست ذات موقف واحد من القوى الرئيسية الكبرى في الإقليم أيّ إيران وإسرائيل ومصر، ففيما يتعلق بإيران تتخوف السعودية من الخطر الإيراني (الذي تمثّل بهجمات حقيقية عليها في الحرب الأخيرة)، والنفوذ الإيراني في الإقليم بينما يمكن للدولتين الأخريين (تركيا وباكستان) أن تتعايشا معه، وفيما يتعلق بإسرائيل فإنّ جميع الدول الثلاث تقف ضد السياسات الإسرائيلية (وبالذات اليمينية الحالية)، ومن طموحاتها فيما تسميه "إسرائيل الكبرى"، ولكنها تتوقف عند نقطة معيّنة في عدائها لإسرائيل بسبب موقف الحليف الأمريكي، أما فيما يتعلق بمصر فليس واضحاً بعد لماذا لم يتم دخولها في هذه الاتفاقية فهي دولة عربية كُبرى ذات علاقة وثيقة مع السعودية وتركيا، وعلاقات لا بأس بها مع باكستان، وغني عن القول أن دخول مصر في هذه الاتفاقية يعني تعميق البعد العربي فيها، فضلاً عن موقع مصر الاستراتيجي المُطل على البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، فضلاً عن قناة السويس، والواقع أن المنطق يفرض أن تكون مصر إحدى الدول الموقعة على هذه الاتفاقية لاستكمال جوانب القوة فيها، وهو ما توقعه وزير الخارجية التركي (هاكان فيدان) مؤخراً.
خامساً: ليس هناك حدود مشتركة بين الدول الموقعة على هذه الاتفاقية، ولعلّ هذا يثير إشكالية غير هينة في سهولة الاتصال والإمداد، وإمكانية الحركة عند حدوث أية خروقات أمنية تستدعي تدخلاً شاملاً. صحيح أنّ التكنولوجيا الحديثة مكنت من تجاوز المسافات والحدود ولكن الحقيقة تظل ماثلة وهي أنّ تباعد الدول عن بعضها (كما هو الحال بالنسبة لدول الاتفاقية) يطرح إشكاليات لوجستية كثيرة ومعيقة.
سادساً: أنّ الدولة الأشد حاجةً إلى الأمن من الدول الثلاث الموقعة على هذه الاتفاقية هي السعودية فتركيا دولة تملك جيشاً قوياً (التاسع عالمياً حسب التصنيفات المختصة) وهي محمية بالمظلة النووية لحلف الناتو، وباكستان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تحوز السلاح النووي فضلاً عن علاقتها الاستراتيجية مع الصين، أما السعودية فهي تستشعر الخطر الإيراني الداهم فضلاً عن الخطر الإسرائيلي الممكن مستقبلًا، وبخاصة أنها لا تملك السلاح النووي الرادع، ولم يُثْبِتْ تحالفها مع الولايات المتحدة أنه ضمانة أمنية كافية.
سابعاً: يكمن التحدي الحقيقي أمام هذه الاتفاقية في بناء أطر ومؤسسات تمكِّن من تحقيق أهداف هذه الاتفاقية على أرض الواقع، إنّ من السهولة بمكان كتابة الأهداف الكبرى، والغايات المثالية ولكن من الصعوبة بمكان توضيح الآليات التي تمكِّن من التنفيذ، وبالتالي تطوير بُنى مؤسسية كفيلة بتحقيق الأهداف بسهولة ولو نسبية.
وختاماً، فانّ الأيام وحدها هي التي ستثبت أنّ هذه الاتفاقية هي بالفعل اتفاقية "تاريخية" لها ما بعدها على أمن الدول الثلاث ودول الإقليم، ومن هُنا فلعلّ من المهم بالنسبة للأردن كدولة إقليمية فاعلة، وذات موقع جيوسياسي حساس، وتربطها بالدول الموقعة على الاتفاقية علاقات مميزة أن تدرس جدياً الانخراط في هذا الحلف الجديد وبخاصة أنها تتحسب لمخاطر حقيقية قد تأتيها من إسرائيل التي يحلم يمينها السياسي "بإسرائيل الكبرى"، أو من إيران التي ما زالت تخطط لتعظيم دورها الإقليمي من خلال وكلائها في المنطقة.