أ. د. علي حياصات : سوق الظل الأردني
•في زمن اختلت فيه المعايير، لم تعد المشكلة في حضور المناسبات الاجتماعية، ولا في قيم التواصل التي كانت وستبقى من أجمل ما يميز مجتمعنا الاردني، وإنما في تحول بعضها إلى منصات لاستعراض الحضور أكثر من كونها...
•أصبحنا نعيش سباقاً يومياً نحو الظهور، وكأن قيمة الإنسان تقاس بعدد الصور التي يلتقطها، لا بما يتركه من أثر في عمله ومجتمعه.
•المشهد الأكثر إثارة للقلق أن هذه الثقافة بدأت تتسلل إلى فئات يفترض أن تكون حاملة لمشروع النهوض المجتمعي والمعرفي.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
في زمن اختلت فيه المعايير، لم تعد المشكلة في حضور المناسبات الاجتماعية، ولا في قيم التواصل التي كانت وستبقى من أجمل ما يميز مجتمعنا الاردني، وإنما في تحول بعضها إلى منصات لاستعراض الحضور أكثر من كونها فضاءات للتواصل الإنساني. أصبحنا نعيش سباقاً يومياً نحو الظهور، وكأن قيمة الإنسان تقاس بعدد الصور التي يلتقطها، لا بما يتركه من أثر في عمله ومجتمعه.
المشهد الأكثر إثارة للقلق أن هذه الثقافة بدأت تتسلل إلى فئات يفترض أن تكون حاملة لمشروع النهوض المجتمعي والمعرفي. فبعض الأكاديميين والأطباء والمحامين والمسؤولين السابقين وغيرهم الكثير باتوا يمنحون حضورهم الاجتماعي من الوقت والاهتمام ما يفوق أحياناً حضورهم المهني. وهنا لا يتعلق الأمر بوقت يضيع، بل بتكاليف فرصة بديلة تنهش عصب الدولة والمجتمع، فساعة الطبيب التي تُسرق لالتقاط الصورة في مناسبة اجتماعية هي ساعة لم تُمنح لمريض، وساعة الأستاذ الجامعي التي تُهدر في سباق المآدب هي بحث لم يُكتب أو جيل لم يُربَّ. مجتمع يسمح بتفريغ طاقاته العقلية في هذا السباق الاجتماعي السلبي، هو حتما مجتمع يدفع فاتورة التخلف مقدماً.
ما يحرك هذا الجموع ليس حب الطعام بالتأكيد، بل فوبيا الغياب، الخوف المرضي من أن يُنسى المرء أو أن تُشطب مكانته الاجتماعية إذا تغّيب عن مناسبة اجتماعية واحده. وكأننا في سوق علني للمزاد، ليس على السلع، بل على الظل، فكلما كبر ظلك في الصورة، تقلصت قيمة ما تقدمه خارجها.
ولا يقل خطورة عن ذلك انتقال هذه الثقافة إلى العمل الحزبي. فالحزب ليس صالة مناسبات، ولا يقاس نجاحه بعدد الحضور أو فخامة الموائد، وإنما بقدرته على إنتاج الأفكار وتقديم حلول واقعية.
وعندما تتحول الاجتماعات إلى مناسبات للتصوير أكثر من كونها ورشاً للعصف الذهني ذات مخرجات قيّمة، فإن السياسة تفقد معناها، وتصبح حركة بلا روح.
خلاصة القول، علينا أن نوقن أن الوجاهة الحقيقية ليست في أن نُرى، بل في أن نُحتاج. فلنقاوم بهدوء ثقافة الظهور، ولنغرس في أبنائنا أن السيرة تُكتب بالجهد، لا بعدد الصور ولا بفيض الإعجابات. فالمجتمع الذي يرفع قيمة الحضور فوق قيمة الإنتاج، إنما يرهن مستقبله للحظة عابرة.
ولتكن همّتنا أعلى من كاميراتنا، ولنجعل من الأردن وطنًا يُحتفى فيه بمن يبني، لا بمن يكتفي بالمرور. فالصور يطويها الزمن، أما الإنجاز فيبقى شاهدًا للأجيال.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



