50 عاماً من تاريخ إيران في "قطط طهران"... أدوار المستنيرين في الثورة ومصائرهم
تمتد أحداث رواية "قطط طهران" للكاتب الإيراني علي - رضا عراقي، من زمن الحرب العالمية الثانية، مروراً بالحرب العراقية - الإيرانية، ووصولاً إلى تبلور اضطرابات داخلية بسبب نشاط معارضة مسلحة لحكم الملالي في تسعينات القرن الماضي. لكن حدثها المركزي هو الثورة ضد حكم الشاه محمد رضا ومآلاتها في ظل الحكم الديني للبلاد الذي بدأ في العام 1979.
صدرت هذه الرواية عام 2020 عن "دار العربي" (ترجمة أحمد فيصل)، علماً أن كاتبها علي - رضا عراقي، المقيم في سانت لويس، حاصل على درجة الماجستير في الثقافات واللغات القديمة من جامعة طهران، وحاصل كذلك على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة نوتردام، وكان عند نشرها يدرس للحصول على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة واشنطن.
يجري سرد أحداث رواية "قطط طهران" التي جاءت ترجمتها إلى العربية في 496 صفحة من القطع العادي، عبر تتبع أدوار عائلة أحمد توركاش واند، في تلك الأحداث، ومن ضمنها المجاعة القاسية التي تعرضت لها إيران خلال وبعد الحرب العالمية الثانية والتي تزامنت مع احتلال الحلفاء للأراضي الإيرانية، ممثلين في الروس شمالاً والإنكليز جنوباً، وأدت إلى وفاة الملايين بسبب نقص الغذاء، التضخم، وتعطل سلاسل الإمداد. وتشير التقديرات التاريخية إلى خسارة نحو ربع السكان نتيجة الجوع والأمراض المرتبطة به، حيث استغل المحتلون الموارد المحلية وتسببوا في انهيار اقتصادي، مما جعلها واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ إيران المعاصر.
لعنة ممتدة
تشير وثائق أميركية إلى أن وفيات الجوع والأمراض المرتبطة به بلغت ما بين 3 إلى 4 ملايين نسمة من أصل حوالي 15 مليوناً كانوا يمثلون سكان إيران حينها، فقد تسببت الحرب في تعطيل استيراد الحبوب وتصديرها، مما فاقم النقص الداخلي بشكل كارثي، على الرغم من أن الحكومة الإيرانية وقتذاك أعلنت الحياد إزاء تلك الحرب بمجرد اشتعالها.

في يوم وفاة والده الجندي السابق في الجيش الإيراني، منتحراً، يسترجع أحمد، وكان في العاشرة من عمره، كلمات جده الخامس، الذي هو أقرب إلى شخصية رمزية أكثر منها شخصية حقيقية، وهو يقص عليه أن عائلته تترصدها لعنة ممتدة منذ قرون عدة، وأن له دوراً محتوماً في مواجهتها. والعائلة هنا ترمز إلى الوطن المحاط بأخطار تهدد وجوده على الدوام، مع التركيز على فترة الحرب العالمية الثانية وما تلاها من اضطرابات سياسية واقتصادية تزامنت مع تولي محمد رضا الحكم وانفتاحه على الغرب ومن ثم صدامه مع محمد مصدق ذي التوجه الماركسي خصوصاً بعد قراره تأميم النفط. أما القطط فترمز إلى أعداء ذلك الوطن، الذين لا يكفون - من وجهة نظر السيد خان رأس عائلة توركاش واند المؤيد للحكم الملكي بلا تحفظ - عن التسلل إلى أراضيه والعمل على تجويع أهله حتى الموت.
نظرية المؤامرة
وجهة النظر تلك يتبنّاها نصير خان، الذي سيموت منتحراً بعد سنوات قضاها جندياً في جيش الشاه، ومن بعده ابنه أحمد الذي سينتخب نائباً ضمن كتلة مؤيدة للحكم الإمبراطوري. لكن الأخير سيدرك خطأ نظرية المؤامرة تلك بعد تخطيه سن الأربعين في خضم تنامي معارضة حكم الشاه، فيستقيل من عضوية البرلمان ليجد نفسه منخرطاً في تلك المعارضة، خصوصاً عبر قصائده التي كان الناس يتداولونها سراً. لكن قبل ذلك عاش أحمد توركاش واند لسنوات أسير الشك في أن هناك من يسعى إلى هدم عائلته (أو وطنه)، ومن ثم فإنه يعاني للحفاظ عليها متماسكة خلال سنوات المجاعة، ومن بعدها سنوات الاضطرابات السياسية. يتغير العالم من حوله، فيتغير هو أيضاً. فمن شاب مشاكس مشارك في معارك الشارع، إلى شاعر سياسي وأب لابنتين، عملت إحداهما سراً في المقاومة المسلحة ضد حكم الشاه. ولد أحمد في قرية تجريش التي تبعد عن طهران بنحو 12 ميلاً، لأسرة ميسورة، تمتلك بساتين عامرة بأشجار التفاح، لكن ما تلبث أن تقع القرية وتلك البساتين تحت سطوة الغزاة الروس. وعند بلوغه العاشرة من عمره، يشهد لحظة انتحار والده المضطرب نفسياً من جراء توجسه من اجتياح روسي محتمل لبلاده، بتوطئة من جانب عملاء أجانب كان أبوه خان يراهم متجسدين في قطط الشوارع، ومن ثم كان يقتلها كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، متأثراً بأسطورة من نسج خيال الجد الخامس للأسرة، عن "قطط" لا تريد لنسل تلك العائلة / الوطن أن يستمر، ومن ثم فإن كل أب فيها كتب عليه أن يشهد موت ابنه وهو في ريعان شبابه، بعد أن تنتابه علامات اضطراب نفسي.
أسطورة القطط
باع خان البستان بعدما فقد القدرة على حمايته من الجنود الروس، وانتقل إلى طهران بعدما سبقته إليها زوجة ابنه الراحل وحفيده أحمد الذي قرر الاعتماد على نفسه فعمل في ورشة حدادة، ومارس خوض معارك الشوارع مقابل المال ليتمكن من إتمام دراسته الثانوية ثم الجامعية. يتردد في العائلة أن الجد أغا عاصر أسرة القاجار الحاكمة قبل 200 عام، وأنه أول من حكى أسطورة القطط التي تناصب عائلته العداء بتعويذة تتسسب في موت أبنائها في عمر الشباب بعد أن يصابوا بالخبل، وأن السبيل لإفساد أثر تلك التعويذة هو انقطاع نسل تلك العائلة. كان أحمد ينشر قصائده تحت اسم مستعار "القبضة الصامتة" في إشارة إلى معاناته من فقدان النطق منذ أن كان في العاشرة من عمره، بعدما رأى والده وهو ينتحر. نالت قصائده صدى لدى حزب "توده" الذي كان يؤيد تأميم النفط الإيراني. وإضافة إلى القصائد كان أحمد ينشر مقالات؛ "تنتقد الجهل السائد بين العوام"، ولكن خطبة ألقاها تحت قبة االبرلمان ضد مؤيدي مصدق، كانت بمثابة شرارة حملات اعتقال وعمليات تعذيب نفذها جهاز "السافاك" البوليسي سيئ السمعة.
مآل الثورة
تتطرق الرواية إلى دور الخميني في التحريض على الثورة من منفاه، لكنها تعطي الدور الأكبر في تنفيذها إلى الطبقة الوسطى، وتمثلها على نحو خاص عائلة توركاش واند التي لطالما اصطدمت بممثل الملالي في القرية الملا علي لانتهازيته وسعيه إلى فرض رؤاه المتخلفة على الناس. وبعد أن سقط حكم الشاه مباشرة، وجد أحمد نفسه متهماً من جانب "الحرس الثوري" بالتسبب في قتل وتعذيب عدد من أنصار الشاه، بسبب خطبة عنيفة ضدهم ألقاها في البرلمان، ولأنه أسهم بعد ذلك في مناوءة حكم الشاه، صدر ضده حكم مخفف بالسجن لتسع سنوات، انتهت قبل عام واحد من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. وهو بذلك لم يكن سوى واحد من تلك القطط التي لعبت الدور الأكبر في إنهاء حكم الشاه، ومن ثم فتح الباب للمعممين ليخلفوه ويضعوا القطط نفسها في السجون.
عاش أحمد ما تبقى من سنوات عمره، عقب الخروج من السجن، منطفئاً، ومات قبل شهرين من اندلاع شرارة معارضة مسلحة ضد حكم الملالي، من أبرز محطاتها المبكرة وقوع اضطرابات أعقبت تفجير وقع في صيف 1994، وأودى بحياة عدد من زوار ضريح الإمام علي الرضا في مدينة مشهد.





