2026 وُقّع في بكين: حين كشفت حرب إيران نهاية العالم الأميركي الواحد
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - زياد فرحان المجالي
لا يمكن قراءة عام 2026 من خلال صوت المدافع وحده، ولا من خلال حجم الدمار في إيران، ولا حتى من خلال مشاهد الاشتباك المفتوح حول مضيق هرمز. فالأحداث الكبرى لا تُقاس دائمًا بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد المنشآت التي دُمّرت، بل باللحظة التي يبدأ فيها ميزان العالم بالتحرك من دون إعلان رسمي.
من هذه الزاوية يمكن التوقف عند قراءة نشرها موقع «نتسيف نت»، ترى أن أهم حدث جيوسياسي في عام 2026 حتى الآن لم يكن الحرب على إيران، ولا تطورات أوكرانيا، ولا الأزمات المتفجرة في أميركا اللاتينية، بل اللقاء الذي جمع زعيمي القوتين العظميين في بكين. قد يبدو هذا الحكم مبالغًا فيه للوهلة الأولى، لكنه يلتقط جوهرًا أعمق: الحرب لم تعد تُقرأ فقط من ساحات الشرق الأوسط، بل من موقع أميركا والصين في النظام الدولي الجديد.
فاللقاء الأميركي ـ الصيني في بكين لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي بين رئيسين، بل مشهدًا رمزيًا شديد الدلالة. الولايات المتحدة، التي اعتادت منذ سقوط جدار برلين أن تستدعي الآخرين إلى طاولتها، وجدت نفسها هذه المرة مضطرة إلى الذهاب إلى عاصمة القوة المنافسة. هنا لا تعود بكين مدينة مضيفة فقط، بل تصبح مسرحًا لتحول تاريخي في صورة العالم: أميركا ما زالت قوة عظمى، لكنها لم تعد القوة التي تتحرك وحدها فوق الخريطة.
منذ نهاية الحرب الباردة، عاش العالم ما يقارب أربعة عقود تحت مظلة الهيمنة الأميركية شبه المطلقة. كانت واشنطن تقرر، تعاقب، تحاصر، تضرب، وتعيد ترتيب الخرائط السياسية والأمنية. لكن حرب إيران جاءت لتكشف حدود هذه القدرة. فالولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تراهنان على أن الحرب ستضعف إيران إلى حد الانهيار، أو تفتح الباب أمام إسقاط النظام، أو تفرض على طهران شروطًا قاسية بلا ثمن مقابل. غير أن الوقائع لم تذهب بهذه البساطة.
إيران تضررت، لكنها لم تسقط. والنظام تعرض لضغط قاسٍ، لكنه لم ينهَر. ومضيق هرمز بقي ورقة إيرانية ثقيلة على طاولة العالم، لا تفصيلًا بحريًا يمكن تجاوزه ببيان عسكري أو تهديد سياسي. هنا ظهرت المشكلة الجوهرية: القوة الأميركية قادرة على التدمير، لكنها لم تعد قادرة وحدها على هندسة النتائج.
تستطيع واشنطن أن تضرب منشآت، وأن تفرض عقوبات، وأن تحشد الأساطيل، وأن ترفع سقف الضغط. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تفتح هرمز بشروطها وحدها، ولا أن تدفع الصين إلى التصرف كطرف تابع في نظام أميركي قديم، ولا أن تحول الدمار العسكري إلى استسلام سياسي مضمون. وهذا هو المعنى الأعمق الذي يلتقطه مقال «نتسيف نت»: الحرب على إيران لم تكن حربًا إقليمية فقط، بل اختبارًا عمليًا لموقع أميركا في عالم لم يعد يقبل قيادة واحدة مطلقة.
في هذا السياق، تصبح الصين هي المسرح الأهم، لا لأنها خاضت الحرب، بل لأنها حضرت في خلفيتها الكبرى: النفط، الممرات، التجارة، سلاسل الإمداد، وميزان الردع الاقتصادي. بكين لم تطلق صاروخًا، لكنها كانت حاضرة في حسابات الطاقة العالمية، وفي سؤال هرمز، وفي قدرة واشنطن على تحويل الحرب إلى نظام سياسي جديد. وإذا كان البعض قد راهن على أن حاجة الصين إلى النفط ستجعلها أكثر قابلية للضغط، فإن الوقائع أظهرت أن بكين تدير مصالحها ببرودة استراتيجية، لا بانفعال حليف ولا بخضوع تابع.
الصين تريد استقرار الممرات، لكنها لا تريد منح واشنطن تفويضًا مفتوحًا لإعادة ترتيب الشرق الأوسط على الطريقة الأميركية القديمة. وهي لا تقف بالضرورة في خندق طهران، لكنها لا تقبل أيضًا أن تتحول الحرب على إيران إلى منصة أميركية جديدة لمحاصرة الصعود الصيني. هنا يتداخل هرمز مع بكين، ويتحول المضيق من ممر نفطي إلى جزء من صراع أوسع على قواعد النظام الدولي.
أما إسرائيل، فقد وجدت نفسها أمام مأزق من نوع آخر. فحين لم يتحقق هدف إسقاط النظام الإيراني سريعًا، بدأ الخطاب الأميركي ـ الإسرائيلي يركز على حجم الدمار داخل إيران، وكأن الدمار نفسه أصبح إنجازًا استراتيجيًا. لكن التدمير ليس سياسة كاملة. قد يوجع الخصم، وقد يعطّل جزءًا من قدراته، لكنه لا يصنع بالضرورة نظامًا جديدًا، ولا يضمن استسلامًا سياسيًا، ولا يلغي قدرة دولة مثل إيران على تحويل الجغرافيا والممرات والوكلاء إلى أوراق تفاوضية.
المشكلة أن الحروب الكبرى لا تُقاس بما تدمّره فقط، بل بما تستطيع أن تنتجه بعد التدمير. وإذا كانت الحرب قد أثبتت أن إيران قابلة للإيلام، فإنها أثبتت أيضًا أن إسقاطها أو إخضاعها أو انتزاع أوراقها دفعة واحدة ليس مهمة سهلة. وهنا يتضح الفارق بين القوة والقدرة: القوة تضرب، أما القدرة فتصنع النتيجة. وقد بدت واشنطن في هذه الحرب قوية جدًا، لكنها ليست مطلقة القدرة كما كانت تتصور في لحظة ما بعد الحرب الباردة.
من هنا يمكن القول إن عام 2026 لم يُوقَّع فقط في ساحات النار، بل وُقّع في بكين. هناك ظهرت الحقيقة التي تحاول واشنطن أحيانًا تأجيل الاعتراف بها: العالم لم يعد أميركيًا واحدًا. وليس معنى ذلك أن الولايات المتحدة سقطت، أو أن الصين انتصرت نهائيًا، أو أن ميزان القوى انقلب في يوم واحد. المعنى أدق وأخطر: أميركا ما زالت في المركز، لكنها لم تعد وحدها في المركز. والصين لم تصبح إمبراطورية بديلة، لكنها باتت قطبًا لا يمكن تجاوزه.
بين هرمز وبكين، بين النفط والتكنولوجيا، وبين الحرب والتفاوض، يتشكل عالم جديد لا تحكمه قوة واحدة ولا ينهار فيه النظام القديم دفعة واحدة. إنه عالم انتقالي، تتراجع فيه الهيمنة المطلقة، وتتكاثر فيه مراكز القرار، وتصبح فيه الحروب الإقليمية مرايا لصراعات دولية أكبر.
الخلاصة أن حرب إيران لم تكشف ضعف طهران وحدها، بل كشفت حدود القوة الأميركية أيضًا. واللقاء في بكين لم يكن حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل علامة على أن زمن القطب الواحد بلغ نهايته السياسية، حتى لو بقيت أميركا أقوى لاعب على المسرح. ما وقع في بكين عام 2026 قد يكون أهم مما وقع في كثير من ميادين النار، لأنه أعلن بصمت أن العالم دخل مرحلة جديدة: لا إمبراطورية واحدة تدير الخرائط، ولا قوة واحدة تكتب شروط الحرب والسلام، بل نظام متعدد الأقطاب تُصنع فيه النتائج بالتفاوض والضغط والممرات، لا بالقوة وحدها.





