... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
168588 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8449 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

13 نيسان: هل غادرتنا «البوسطة» أم سكنت فينا؟

العالم
النهار العربي
2026/04/13 - 14:46 501 مشاهدة

إلياس عيسى إلياس*



​في الثالث عشر من نيسان/ أبريل، لا نعود إلى الماضي لنبش الجراح، بل لنقف أمام مرآة ذواتنا بصراحة شجاعة. إن ذكرى نيسان ليست مجرد طقس سنوي للحزن، بل هي مواجهة عارية مع وعينا الجريح؛ اللحظة التي أدركنا فيها بمرارة أن الوطن الذي لا يسوّره وعي المواطنة، يظلّ بيتاً بلا أبواب، تستبيحه عواصف الغرباء وتعبث بمصيره رياح الآخرين.

​في تلك الساعة من ظهيرة نيسان 1975، وبينما كانت بيروت تتأهّب للانفجار، كان والداي في مستشفى طرابلس يغالبان دموع الفرح بمقدم أخي إلى الحياة. كانت صرخته الأولى في هدوء الشمال تعلن عن ميلاد جديد، غير مدرك أن القدر كان ينسج في تلك اللحظة بالذات خيوط مأساة كبرى في "عين الرمانة". هذه المفارقة الإنسانية تلخص الوجع اللبناني: في اللحظة التي استقبل فيها والداي هبة الحياة، كانت "البوسطة" المشؤومة تعبر لتقسم التاريخ والوطن والقلوب، ليصبح يوم مولد أخي هو نفسه يوم انفجار الموت الذي لم يغادرنا منذ نصف قرن.

​هذا الوجع الذي عشناه كأفراد، كان العالم يقرأه آنذاك كأرقام ومعادلات سياسية؛ فبينما كنا نغرق في التفاصيل، وضعتنا صحيفة «لوموند» الفرنسية عام 1976 أمام مرآة قاسية في دراستها التشريحية «لبنان في قلب العاصفة». ندرك اليوم، من خلال تلك القراءة، أن العالم كان يرقب انكسارنا بعيون باردة، وأننا، باسم الدفاع عن الوجود، كنا نمزق الكيان الذي يؤوينا.

​الميثاق كفخ وسقوط الدولة

​رأت الدراسة أن لبنان كان ضحيّة «سوء تفاهم تاريخي»؛ فالميثاق ظلّ ترتيباً لتوزيع المغانم دون أن يتحوّل إلى عقد اجتماعي حقيقي. هذا الخلل أفقد الدولة مقوّمها الأساسي: «حصرية العنف المشروع». وحين تهاوى مفهوم "الدولة الملجأ" ليحلّ محله مفهوم "الميليشيا الملجأ"، وقّعت الدولة صك انتحارها. لقد أثبتت تجربة نيسان أن غياب «حصرية السلاح» هو الفتيل الذي ينتظر أول احتكاك لينفجر حرباً أهلية.

​سوسيولوجيا البؤس والفرز القسري

​ذهبت "لوموند" أبعد من الصراع السياسي، لتسلط الضوء على "الاقتصاد السياسي للبؤس". رأت أن أحزمة الفقر المحيطة ببيروت كانت "مخازن بارود" اجتماعية، وأن الحرب كانت ثورة "الأطراف" على "المركز". هذا يؤكد أن الأمن الوطني لا يبدأ من فوهة البندقية، بل من رغيف الخبز وتكافؤ الفرص.

أما الطعنة الأخطر، فكانت "الفرز الديموغرافي القسري" الذي عمد إلى تطهير الذاكرة بناءً على الانتماء الطائفي، ليتحوّل لبنان من ملتقى للحضارات إلى "غيتوات" متناحرة، لكل منطقة فيها سرديتها الخاصة التي جعلت من الرصاص اللغة الوحيدة المتاحة.

​مختبر الصراعات والوصاية المستحيلة

​الأمر الأكثر رعباً كان وصف لبنان بأنه تحوّل إلى "مختبر للشرق الأوسط الجديد". حللت الدراسة كيف تداخلت القضية الفلسطينية بالتجاذبات الدولية بدم بارد، وكشف الارتهان للخارج عن عجز النخبة السياسية التي فضّلت "تأجير" الساحة لقوى إقليمية لتسخين ملفاتها. لقد كان نيسان صرخة احتضار لجمهورية فشلت في الحفاظ على مؤسساتها كمرجعية وحيدة للقوة والقانون.

القيامة تبدأ من "الحصريات الثلاث"

​اليوم، وبعد مرور نصف قرن، يجب ألا تبقى "تنذكر وما تنعاد" مجرد تعويذة، بل فعل إرادة وطني يرتكز على ركائز ثلاث لا تقبل الشراكة: حصرية السلاح، وحصرية قرار الحرب والسلم، وحصرية العنف بيد الدولة.

هذه الركائز لا تُفرض قسراً، بل تُبنى من خلال عدالة اجتماعية تجعل كل لبناني يشعر بأن الدولة هي حصنه الأول. السيادة هي نتاج توافق وطني يجعل من السلاح الشرعي خياراً طوعياً يحمي الجميع.

​إن القيامة تبدأ باستعادة الدولة كحاضنة وحيدة للقوة والقرار. لعل ذكرى نيسان تكون دعوة لبناء وطن يليق بكل صرخة ولادة خرجت في ذلك اليوم الدامي، ولنثبت أننا قررنا السكن في قلب الدولة القوية والعادلة، لا في قلب الصراعات المفتوحة. "البوسطة" يجب أن تتوقف هنا، لتبدأ رحلة المواطن نحو غدٍ بلا متاريس.

 

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤