«زئير الأسد» الإسرائيلي: حين علا صوت الحرب ولم تسقط إيران
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - زياد فرحان المجالي
في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج دائمًا بحجم الصوت، ولا بعدد الغارات، ولا بمدى اتساع الخرائط العسكرية التي تُعرض على الشاشات. أحيانًا يكون الضجيج أعلى من الحسم، والزئير أقوى من القدرة على إنهاء المعركة. من هذه الزاوية، يمكن قراءة الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية على إيران بوصفها لحظة صاخبة في تاريخ الصراع الإقليمي، لكنها لم تكن لحظة النهاية التي أرادتها إسرائيل.
لقد أرادت تل أبيب أن تقدّم الحرب بوصفها إعلان تفوق نهائي. أرادت أن تقول إن يدها قادرة على الوصول إلى العمق الإيراني، وإن ميزان الردع القديم قد كُسر، وإن ما بعد الضربة لن يكون كما قبلها. لذلك بدا «زئير الأسد» الإسرائيلي عاليًا منذ اللحظة الأولى: لغة تهديد، ضربات موجعة، رسائل نفسية، ومحاولة واضحة لإظهار إيران كدولة باتت مكشوفة أمام القوة الإسرائيلية والأميركية.
لكن الزئير، مهما علا، لا يكفي وحده لصناعة نهاية سياسية. فقد تلقت إيران ضربات قاسية، وتعرضت منشآت وبنى ومواقع حساسة لأضرار كبيرة، ووجدت نفسها أمام حصار وضغط اقتصادي وعسكري ونفسي واسع. غير أن الحرب، رغم ذلك كله، لم تُسقط إيران، ولم تُخرجها من معادلة المنطقة، ولم تُنهِ برنامجها النووي كملف تفاوضي، ولم تكسر قدرتها على الردع والمناورة.
هنا تكمن المفارقة المركزية في هذه الحرب. إسرائيل رفعت سقف النار إلى أعلى مدى، لكنها لم تصل إلى الحسم النهائي. أرادت أن تُنهي التهديد الإيراني بضربة أو سلسلة ضربات، فإذا بها تكتشف أن إيران ليست موقعًا عسكريًا يمكن شطبه من الخريطة، ولا منشأة واحدة يُنهي تدميرها الصراع، بل دولة عميقة، واسعة، تملك أدوات ضغط متعددة: من هرمز إلى لبنان، ومن الصواريخ إلى الممرات، ومن الحلفاء إلى القدرة على الصبر الطويل.
ولعل أخطر ما كشفته الحرب أنها لم تُنتج جوابًا نهائيًا، بل فتحت أسئلة أكبر. هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تعيد تشكيل إيران؟ هل يمكن للقصف أن يفرض تسوية سياسية مستقرة؟ هل يؤدي إضعاف طهران إلى إخراجها من الإقليم، أم يدفعها إلى إعادة بناء نفوذها بصورة أشد حذرًا وسرية؟ وهل كانت الحرب بداية النهاية، أم بداية مرحلة جديدة من الصراع المؤجل؟
لقد خرجت إيران من الحرب مثقلة بالجراح، لكنها لم تخرج من الطاولة. بدت مضروبة، لكنها لم تكن منهارة. محاصرة، لكنها لا تزال تملك أوراقًا. مأزومة، لكنها لم تفقد القدرة على التفاوض والتهديد والانتظار. وهذا بالضبط ما يجعل النتيجة أكثر تعقيدًا مما أرادت إسرائيل تسويقه: الحرب نجحت في إيلام إيران، لكنها لم تنجح في إنهائها.
أما إسرائيل، فقد حققت عرض قوة كبيرًا، لكنها لم تحصل على لحظة انتصار مكتملة. فالحسم الذي كانت تبحث عنه بقي ناقصًا، والردع الذي أرادت ترميمه ظل معلّقًا على ما سيأتي بعد الحرب: هل ستتراجع إيران؟ هل سترد؟ هل ستقبل بشروط أميركية؟ هل ستفتح هرمز وفق الإيقاع الذي تريده واشنطن؟ وهل ستنفصل جبهة لبنان عن حسابات طهران، أم تبقى جزءًا من معادلة الرد الطويل؟
من هنا، لا تبدو الحرب نهاية الصراع مع إيران، بل فصلًا جديدًا من صراع أوسع. فصلٌ رفعت فيه إسرائيل صوتها إلى الحد الأقصى، لكنها لم تستطع أن تكتب السطر الأخير. فالدول لا تسقط بالضجيج وحده، والمشاريع الإقليمية لا تنتهي بضربة واحدة، والصراعات التي تراكمت لعقود لا تُحسم في أيام مهما كان حجم النار.
الخلاصة أن «زئير الأسد» الإسرائيلي كان عاليًا، وربما موجعًا، وربما غير مسبوق في بعض جوانبه، لكنه لم يكن كافيًا لإسقاط إيران أو إخراجها من المشهد. لقد علا صوت الحرب، واهتزت المنطقة، وتبدلت الحسابات، لكن إيران بقيت واقفة على حافة الجرح لا خارج التاريخ.
ولهذا، فإن العنوان الأصدق لهذه المرحلة ليس انتصارًا إسرائيليًا كاملًا، ولا صمودًا إيرانيًا بلا كلفة، بل حربًا لم تكتمل نهايتها: حربٌ زأرت فيها إسرائيل عاليًا، لكنها لم تُسقط إيران.





