زيارة غزواني لباريس.. شراكة جديدة في سياق متغير بالساحل
وصفت الزيارة التي أداها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لباريس والتي استمرت عدة أيام بأنها أرفع زيارة دولة لرئيس موريتاني إلى هذا البلد.
زيارة غزواني إلى فرنسا: تقارب جديد أم إعادة تموضع تكتيكي في علاقات الساحل؟
وحملت الزيارة أبعادا سياسيا واقتصادية مهمة كما يأتي توقيتها في ظرف ٌإقليمي تمر به منطقة الساحل؛ التي خرجت جل دولها من عباءة المستعمر السابق.
وتأتي الزيارة في وقت تتسارع فيه التحولات السياسية والأمنية وتُعاد صياغة التوازنات التقليدية.
انحسار الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة
تشهد منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة انحساراً لافتاً للوجود العسكري الفرنسي، بعد انسحاب القوات من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب تقليص انتشارها في السنغال وساحل العاج وتشاد، ما أنهى عملياً حضوراً عسكرياً امتد لعقود في المنطقة.ى
هذا التحول أعاد رسم خريطة النفوذ الأمني في الساحل، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تقوم على تراجع الدور الفرنسي المباشر، لصالح فاعلين محليين وإقليميين ودوليين آخرين.
تموضع موريتانيا ونفي وجود عسكري أجنبي
في هذا السياق، تبرز موريتانيا كحالة خاصة، إذ تؤكد السلطات الرسمية في أكثر من مناسبة أنه لا وجود لأي قوات عسكرية فرنسية على أراضيها، وأن التعاون القائم يقتصر على مجالات التدريب والدعم الفني وتبادل الخبرات.
وتشدد الحكومة الموريتانية على أن هذا التعاون لا يتضمن أيّ تمركز عسكري مباشر، مع التركيز على تعزيز القدرات الوطنية في مجالات الدفاع والأمن، بما ينسجم مع سيادة الدولة واحتياجاتها الأمنية.
السياق الأمني: زيارة غزواني لباريس في ظل تحولات إقليم الساحلذض١
تأتي زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس، في وقت يتسم فيه الوضع الأمني في منطقة الساحل بتعقيدات متزايدة، نتيجة استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتوسع رقعة التهديدات العابرة للحدود.
ورغم هذا السياق المضطرب، تحافظ موريتانيا على قدر من الاستقرار النسبي، بفضل سياسة أمنية تعتمد على التحصين الحدودي، والتنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية، إضافة إلى التعاون الإقليمي والدولي.
وتعكس مباحثات نواكشوط وباريس اهتماما مشتركاً بتعزيز التنسيق الأمني، في ظل إعادة تشكيل منظومة الأمن في الساحل وتراجع بعض أشكال الحضور الدولي التقليدي.
البعد الاقتصادي لزيارة غزواني إلى باريس
يحمل البعد الاقتصادي للزيارة أهمية بارزة، في ظل سعي موريتانيا إلى تعزيز شراكاتها الخارجية وتنويع مصادر الاستثمار لدعم خطط التنمية.
وتسعى نواكشوط إلى توسيع التعاون مع فرنسا في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والمعادن والبنية التحتية والصيد البحري، باعتبارها ركائز أساسية للنمو الاقتصادي.
كما يبرز التعاون في مجالات التكوين المهني ونقل الخبرات، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتحسين مناخ الأعمال.
من جانبها، تنظر فرنسا إلى موريتانيا كشريك مستقر في منطقة الساحل، يمكن الاعتماد عليه في بناء تعاون اقتصادي أكثر توازناً في ظل التحولات الجارية.
غزواني: زيارتي لفرنسا خطوة مهمة لتعزيز التعاون مع باريس
وفي ختام الزيارة، وصف الرئيس غزواني المحادثات التي أجراها مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بأنها “ثرية ومهمة”، مؤكدا أنها عززت مسار التعاون بين البلدين.
وأوضح في تدوينة على منصة “X” أن الشراكة بين موريتانيا وفرنسا تقوم على الثقة المتبادلة والطموح المشترك، إضافة إلى رؤية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة.
كما أشاد بدور الجالية الموريتانية في الخارج، واعتبرها رصيدا مهما ورابطا متينا تعمل الدولة على تعزيزه باستمرار.
فماذا بعد زيارة ولد الغزواني لفرنسا؟ هل هي تقارب جديد أم إعادة تموضع تكتيكي؟
تطرح هذه الزيارة عدة تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة في العلاقات الموريتانية الفرنسية: هل نحن أمام انطلاقة تقارب استراتيجي جديد، أم أمام إعادة تموضع تكتيكي يواكب التحولات الإقليمية في الساحل؟
ولأن الإجابة على هذا السؤال تحتاج لإعادة القراءة لتاريخ سياسات موريتانيا خلال الأزمات التي شهدتها المنطقة، يبرز بشكل جلي أن موريتانيا ظلت تحافظ على سياسة مسك العصا من المنتصف، وهو الأمر نفسه الذي كررته مع بداية أزمة دول الساحل مع فرنسا.
ففي الوقت الذي ربما كانت تتوقع فيه دول الساحل أن تسايرها موريتانيا في موقفها من فرنسا، حافظت نواكشوط على سياسات متوازنة، مفضلة عدم الانجرار خلف موضة “عداء فرنسا” في المنطقة، وفي الوقت نفسه ظلت تقف إلى جانب دول الساحل حتى بعد انسحاب أغلبهم من مجموعة G5 التي تستضيف نواكشوط مقرها الرسمي، إذ امتنعت عن الانصياع لدعوات الإيكواس بمحاصرة مالي تجاريا بعد انسحابها من المجموعة ذات التأثير الكبير في شمال إفريقيا.
The post زيارة غزواني لباريس.. شراكة جديدة في سياق متغير بالساحل first appeared on مدار.





