زيارة أبوظبي واتجاه السياسة العراقية الخارجية
د. هوشيار مظفر علي امين
تأتي الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس إقليم كردستان إلى أبوظبي في لحظة عراقية وإقليمية شديدة الأهمية، لأنها لا ترتبط فقط بمسار العلاقات بين الإمارات وإقليم كردستان، بل تعكس في جوهرها أحد الاتجاهات المرجحة للسياسة الخارجية العراقية في الكابينة الحكومية المقبلة برئاسة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، والتي يبدو أنها ستقوم على توسيع الانفتاح العربي، وتعزيز التوازن الإقليمي، واعتماد الاقتصاد والاستثمار، بوصفهما مدخلاً رئيسياً للعلاقات الخارجية وهو ما يؤكده نيجيرفان بارزاني من قبل ومن بعد.
العراق بعد سنوات طويلة من التوترات والانقسامات ووسط الحرب الحالية يحتاج إلى إعادة تعريف أولوياته الخارجية. فمرحلة الصراعات الحادة واستنزاف الجهد الوطني في المحاور الإقليمية أضعفت قدرة الدولة على استثمار موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي والبشري. ولذلك فإن المرحلة المقبلة مرشحة ؛لأن تشهد انتقالا أكثر وضوحا نحو سياسة تقوم على المصالح الوطنية المباشرة، وتنويع الشراكات، واستعادة العمق العربي، دون التفريط بعلاقات العراق مع جواره الإقليمي والدولي وهو ما يختطه السيد علي الزيدي في المتسرب وما يؤكد عليه نيجيرفان في رؤاه الاستراتيجية والاستشرافية.
من هذه الزاوية، فإن التحركات العراقية باتجاه الخليج، وخصوصاً الإمارات، بعد انسحابها من اوبك واوابك، من قبل نيجيرفان، لا تمثل نشاطا جانبيا، بل تعبر عن مسار استراتيجي جديد. فدول الخليج أصبحت مركزا ماليا واستثماريا مؤثرا، وتمتلك خبرات واسعة في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والإدارة، وهي مجالات يحتاجها العراق بصورة عاجلة في مرحلة إعادة البناء والتنمية. لذلك فإن أي قناة عراقية ناجحة مع الخليج، سواء انطلقت من بغداد أو من أربيل، تصب في النهاية في المصلحة الوطنية العامة.
الزيارة إلى أبوظبي تؤكد أيضاً أن العراق الحديث لم يعد يتحرك عبر العاصمة فقط، بل من خلال منظومة دستورية أوسع، تتوزع فيها الأدوار بين الحكومة الاتحادية والمؤسسات السيادية والأقاليم. وإقليم كردستان، بوصفه جزءاً من الدولة العراقية، أصبح خلال السنوات الماضية إحدى النوافذ التي أسهمت في تعزيز الحضور العراقي خارجياً، وخصوصاً في المجالات الاقتصادية والاستثمارية.
هذا الواقع لا ينبغي تفسيره على أنه ازدواج في السياسة الخارجية، بل على العكس، هو تعبير عن تطور مفهوم الدولة الحديثة، حيث تتعدد أدوات الحركة الخارجية بينما يبقى القرار السيادي ضمن الإطار الوطني العام. ومن المرجح أن حكومة علي الزيدي المقبلة ستكون أكثر ميلا لتنظيم هذا التنوع وتحويله إلى قوة إضافية للعراق.
في تقدير كثير من المراقبين، فإن الكابينة المقبلة ستواجه تحديا أساسيا يتمثل في نقل العراق من دولة منشغلة بردود الفعل إلى دولة تبادر بصناعة الفرص. وهذا يتطلب سياسة خارجية نشطة، لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تعمل على جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق، وربط العراق بمشاريع النقل والطاقة الإقليمية، وإعادة تقديمه كشريك موثوق في المنطقة.
ومن هنا تكتسب العلاقة مع الإمارات أهمية استثنائية. فأبوظبي تنظر إلى العراق، بوصفه دولة ذات إمكانات ضخمة وسوق واسعة وموقع استراتيجي، لكنها تنتظر بيئة سياسية مستقرة ورؤية اقتصادية واضحة. وإذا استطاعت الحكومة المقبلة أن توفر ذلك، فإن السنوات المقبلة قد تشهد نقلة كبيرة في حجم التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين وقد فعلت بعض ذلك في كردستان بجهود نيجيرفان.
كما أن الانفتاح على الإمارات يحمل بعدا سياسيا لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي. فالعراق يحتاج إلى تثبيت موقعه كدولة عربية مركزية قادرة على بناء علاقات متوازنة مع الجميع. وفي ظل الاستقطابات التي مرت بها المنطقة خلال العقدين الماضيين، أصبح التوازن قيمة استراتيجية بحد ذاته. وهذا ما يرجح أن تتبناه حكومة علي الزيدي، عبر سياسة تقوم على الشراكة مع الخليج، والحفاظ على حسن الجوار، والانفتاح على المجتمع الدولي.
اللافت أن التحركات العراقية باتجاه الخليج لم تعد محصورة بالبيانات الرسمية، بل أصبحت تتجسد في زيارات منتظمة، ولقاءات اقتصادية، ومشاريع مطروحة للنقاش، وهذا مؤشر على أن الدولة العراقية بدأت تستعيد أدواتها الطبيعية. وفي هذا السياق، فإن الحضور العراقي عبر إقليم كردستان يمنح السياسة الخارجية مرونة إضافية، لأن الإقليم بقيادة نيجيرفان، يمتلك شبكة علاقات اقتصادية وسياسية يمكن توظيفها ضمن الرؤية الوطنية الأشمل.
ومن المتوقع أن تعتمد الحكومة المقبلة على هذا المبدأ، أي مبدأ تعدد القنوات ضمن وحدة القرار. فبغداد تقود التوجه العام، بينما تسهم بقية المؤسسات العراقية في فتح الأبواب وتوسيع مجالات الحركة. وهذه الصيغة إذا أحسن تنظيمها، ستمنح العراق قدرة أكبر على المناورة وتحقيق المصالح.
سياسياً، يدرك رئيس الوزراء علي الزيدي أن نجاح حكومته لن يقاس فقط بإدارة الداخل، بل أيضا بقدرته على تحسين موقع العراق خارجيا. فالاستقرار الداخلي يرتبط اليوم بالاقتصاد، والاقتصاد يرتبط بالاستثمار، والاستثمار يحتاج إلى ثقة خارجية، وهذه الثقة تبنى عبر سياسة خارجية عقلانية ومنفتحة.ولهذا فإن وجهة الكابينة المقبلة تبدو واضحة نسبيا، تقوية العلاقات مع الخليج، جذب رؤوس الأموال، الدخول في مشاريع إقليمية كبرى، تخفيف حدة الاستقطاب، وتقديم العراق كحلقة وصل بين المشرق والخليج وآسيا. وهذه الأهداف لا يمكن تحقيقها بخطاب أيديولوجي أو بسياسة محاور، بل بسياسة واقعية تضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.زيارة أبوظبي تحمل أيضا رسالة إلى الداخل العراقي، مفادها أن النجاح الخارجي لا ينبغي أن يكون موضع حساسية سياسية. فحين تنجح أي مؤسسة عراقية أو أي مسؤول عراقي في فتح باب اقتصادي أو سياسي، فإن المستفيد النهائي هو العراق كله. ومن الخطأ اختزال هذه التحركات في حسابات ضيقة، لأن الدول القوية هي التي تستثمر كل طاقاتها، لا التي تعطل بعضها بعضا.
أما بالنسبة للإمارات، فإنها ترى في العراق عامة وكردستان خاصة فرصة استراتيجية طويلة المدى، سواء في مجالات الطاقة، أو النقل، أو الأمن الغذائي، أو الخدمات اللوجستية، أو السوق الاستهلاكية الواسعة. وإذا استطاعت حكومة علي الزيدي أن تترجم هذا الاهتمام إلى مشاريع حقيقية، فإن ذلك سيشكل أحد أبرز إنجازاتها المبكرة.
العراق يمتلك اليوم فرصة نادرة لإعادة تموضعه إقليميا. المنطقة تتغير، والاقتصاد بات أولوية، والتحالفات التقليدية تعاد صياغتها. وفي مثل هذه اللحظات، تنجح الدول التي تقرأ التحول مبكرا وتتحرك بسرعة. ويبدو أن الكابينة المقبلة مدعوة إلى القيام بهذا الدور، عبر سياسة خارجية أكثر براغماتية وأقل صخبا.
في المحصلة، فإن زيارة أبوظبي ليست حدثا منفصلا، بل مؤشر على اتجاه أوسع للسياسة العراقية في المرحلة المقبلة. اتجاه يقوم على الانفتاح العربي، والشراكة الخليجية، وتفعيل الأدوات الاقتصادية، والاستفادة من جميع مكونات الدولة العراقية في خدمة المصلحة الوطنية.
وإذا مضت حكومة علي الزيدي بهذا المسار، فإن العراق قد يدخل مرحلة جديدة، ينتقل فيها من موقع المتأثر بأزمات المنطقة إلى موقع الشريك في صياغة استقرارها، ومن دولة تستقبل الضغوط إلى دولة تصنع الفرص، ومن اقتصاد معطل إلى اقتصاد مفتوح على محيطه العربي والإقليمي. وهذا هو التحدي الحقيقي، وهو أيضا الفرصة التاريخية المتاحة الآن.





