زحامٌ من المسلسلات: ماذا نشاهد في رمضان؟
إن كنتم تشعرون ببعض الحيرة حول قرار ما ستشاهدونه في الشهر الفضيل من مسلسلات أعدت خصيصًا للعرض في هذا الموسم، أو ربما إن كنتم قد بدأتم بمشاهدة أعمال ووجدتم أنها لا تلبي الطموح وربما لا يجب أن تكملوا مشاهدتها فقط لأنكم قد شاهدتم منها عددًا من الحلقات. ربما يكون في القائمة التالية ما يرضي ذائقتكم. إذ فيها عشر مسلسلات من أصل عشرات أخرى تَعرضها منصات العرض وشاشات التلفزيون العربية هذا الشهر، اختارها لنا كتاب وكاتبات من مجلة حبر، وقد حرصوا على تبيان الأسباب التي دفعتهم لاختيار هذه الإنتاجات دونًا عن غيرها.
في هذه القائمة، نشاهد مسلسلًا وربما يكون الأكثر إثارة للنقاش على السوشال ميديا، وهو صحاب الأرض، الذي يَعرض لحرب الإبادة الحاصلة في غزة اليوم. كما نقرأ عن مولانا، والذي أثيرت حول قصته وتقاطعاتها مع الفيلم الإيراني «السحلية» نقاشات واتهامات. كما نتعرف على مسلسل من الكويت، ومسلسل يحكي فصول من تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، ومسلسل لم يُعرَض بعد، إضافة إلى أعمال أخرى تناولت قضايا اجتماعية بقوالب إخراج متنوّعة.
مولانا
إخراج سامر برقاوي، قصة لبنى حداد
«يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا
غرد يا بلبل عا زيتون بلادنا»
يدخلنا الصوت الدافئ والحنون للقديرة منى واصف إلى عالم «مولانا» في موسيقى شارة بداية المسلسل الموفقة جدًا. فالميجنا والبلبل والزيتون وبلادنا جميعها تعزف على وتر حساس لدى أهل بلاد الشام جميعًا. كل هذه المناجاة تستدعي إلى الأذهان الأرض والثقافة والماضي والهوية وعبق التاريخ والجغرافيا المحفورة في وجدان أبناء الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان.
مسلسل مولانا من إخراج سامر البرقاوي عن قصة للكاتبة لبنى حداد وموسيقى آري جان سرحان وبطولة عدد من كبار الممثلين السوريين، وبينهم فارس الحلو ومنى واصف وتيم حسن وغيرهم.
وقد اختار البرقاوي مزج الألوان ما بين الأصفر والأحمر في شارة المسلسل لتعيدنا إلى الأرض وإلى النار التي تحرق المنطقة ما بين خراب وبشارة بمعمودية جديدة.
تدور الأحداث في قرية العادلية التي تنتظر المنقذ منذ زمن بعيد. وقد تقمص القاتل جابر (تيم حسن) شخصية الولي (مولانا) العائد الذي يُستَقبل استقبال كبار الأبطال الدينيين والسياسيين، والذي سيأتي الفرج عن طريقه. يُبيّن برقاوي للمشاهد قدرة الديني والسياسي السلطوي على التلاعب بحياة الناس والأرض لخدمة أهداف خاصة بعيدة كل البعد عن حاجاتهم.
أضفى البرقاوي بلمسات ساخرة بعدًا آخر إلى المسلسل ومن بينها لدغة مولانا بحرف الجيم ولفظه زين، والتي تحوّلت إلى ترند على مواقع التواصل الاجتماعي. أمّا مجنون القرية فمثّل الشاهد على الزمان والمكان.
تشير بعض المقالات النقدية إلى أن المسلسل يعيد إلى الأذهان الفيلم الإيراني «السحلية»، ولكن يبقى الأمر مفتوحًا للنقاش. لكن على أي حال، هذا لا يقلل من قيمة العمل فقد تتشابه الموضوعات كثيرًا في مجال الفن والسينما والدراما، ولكن لكل عملٍ خصوصيته.
يُختتم المسلسل بأغنية شارة لسارة درويش بصوت جميل وحنون، تعيد إلى أذهاننا الموسيقى والغناء الرائع في شارات البداية والنهاية لأعمال مثل أرابيسك وزيزينيا وغيرها من أعمال حملت بصمات كبار المخرجين وكتاب السيناريو المصريين.
ما عُرض حتى الآن من مسلسل مولانا يشي بأننا أمام مسلسل يستحق المشاهدة إلى النهاية.
أبطال الرمال
إخراج سامر جبر، تأليف خالد الجبر وسامر الجبر
هذا المسلسل من إنتاج قطري ضخم، ويضمّ كوكبة من الممثلين العرب، من المشرق والمغرب، وعلى رأسهم سلّوم حداد الذي اشتهر بأداء الأدوار التاريخية وأهمها دور الزير سالم في المسلسل الشهير، وفرح بسيسو، ومنذر رياحنة، ومحمد الإبراهيمي، وأدهم مرشد، ومريم باكوش وغيرهم. وجرى تصويره في المغرب.
المسلسل عبارة عن ثلاث خماسيات مستقلة، تَدور الأولى حول الخنساء والثانية حول الشنفرى شاعر الصعاليك والثالثة حول زبيبة والدة عنترة بن شداد العبسي. يضيء المخرج من خلالها مساحات من تاريخ الجاهلية تمتد عبر الجغرافيا؛ من قلب الجزيرة العربية ونجد تحديدًا، وهي موطن فزارة قبيلة الخنساء؛ إلى جنوب الجزيرة حيث أقام الشنفرى الأزدي، وموطنه الأصلي جبال السراة بين مكة والمدينة؛ وفي منطقة القصيم التي كانت ديارًا لعنترة العبسي وأمه زبيبة.
تُقدَّم صحراء الجاهلية كمكان حافل بالأحداث والحروب والصراعات والبحث عن الهوية والانتماء إلى الجماعة، وكذلك الخروج عن الجماعة في حالات أخرى. ما بين آلام ومعاناة فردية كما في حالة الخنساء وفقدانها لأخويها ومكانتها المهمة في قبيلتها، إلى معاناة اجتماعية سياسية اقتصادية أكبر تتمثل في الخروج عن الجماعة في صراع الصعاليك وعلى رأسهم الشنفرى صاحب لامية العرب، مع الأعراف والسلطة المهيمنة. إلى السعي الحثيث إلى الدخول في الجماعة وانتزاع اعترافها والانتماء لها كم في حالة زبيبة الحبشية والدة عنترة ومكانتها كأَمَة في القبيلة تسعى جاهدة لإثبات نسب ابنها.
من الملفت أن الخماسيات الثلاثة تمحورت بشكل أو بآخر حول شعراء كان لهم باع طويل في الجاهلية وتركوا بصماتهم في الشعر العربي القديم قبل الإسلام.
مسلسل أبطال الرمال يستحق المشاهدة كونه يمثل ثلاث محاولات لإثبات الذات، ولكلٍ حسب منطلقاته.
سوا سوا
إخراج عصام عبد الحميد، وتأليف مهاب طارق
ينتمي هذا المسلسل، الذي يلعب بطولته أحمد مالك وهدى المفتي، إلى ذلك النوع من الدراما الذي يراهن منذ اللحظة الأولى على «ثنائية مألوفة» أحبّها الجمهور في أعمال سابقة. وبذا يكتسب جزءًا من شهرته قبل أن يبدأ فعليًا، لأن المشاهد لا ينتظر الحكاية فقط، بل ينتظر اختبارًا جديدًا لكيمياء ثنائي يعرفه، في سياق مختلف وقصة أخرى.
تدور الأحداث في القاهرة، ضمن دراما اجتماعية ذات طابع شعبي، تعود بالكاميرا إلى الطبقات الدنيا بعد موجة من الأعمال التي انشغلت بعوالم «الكومباوندز» والترف المعزول. يحكي العمل قصة حب بين إبراهيم (هيما) وأحلام؛ شاب وفتاة يلتقيان في هامش المدينة، حيث الفقر ليس خلفية بصرية فحسب، بل شرط حياة يومي. نكتشف أن أحلام مُصابة بمرض السرطان، وتعيش تحت ضغط المرض والعوز مجبرة على الزواج من شاب آخر، يكون في الوقت ذاته صديق إبراهيم، فتتحول الحكاية إلى مثلث مشحون بالخسارة والغيرة والأسئلة الأخلاقية.
يبرز في المسلسل كذلك خط درامي مهم عبر شخصية الدكتور فوزي، التي يؤديها خالد كمال، الطبيب الذي يقرر علاج أحلام لأنها تذكّره بماضٍ غامض. هذا القرار يضيف بعدًا نفسيًا معقدًا: هل هو تعاطف إنساني خالص، أم محاولة لمصالحة جرح قديم؟
منذ الحلقات الأولى، يظهر حنَق العيش والطبقية بوضوح، ويطرح المسلسل تساؤلات حول الحق في العلاج والتأمين الصحي، ومن يملك فرصة النجاة ومن يُترك لمصيره. المرض هنا مرآة تكشف هشاشة البنية الاجتماعية. في المقابل، يقع العمل في فخ إعادة إنتاج صورة الإنسان المطحون بوصفه قاسيًا أو غدارًا، كأن الفقر يُنتج تشوّهًا أخلاقيًا حتميًا.
«سوا سوا» إذًا ليس مجرد قصة حب مأزومة، بل محاولة للعودة إلى أزقّة القاهرة التي لا تُرى كثيرًا على الشاشة؛ مدينة الفقراء، والأسئلة الثقيلة، والحب الذي ينمو رغم كُلّ الخَراب. كما يطرح المسلسل قضايا متعلقة بمتلازمة داون وذوي الاحتياجات الخاصة، في محاولة لتوسيع تمثيل الفئات المهمشة داخل الحكاية، ومنحها حضورًا إنسانيًا يتجاوز التنميط.
يبقى السؤال الأهم: هل سينجو الحب فعلًا، أم أن البنية الاجتماعية ستبتلعه كما ابتلعت أحلامًا كثيرة قبله؟ وهل ينجح «سوا سوا» في تفكيك عالم الطبقات الدنيا من الداخل، بما يحمله من تناقضات وهشاشة وكرامة، أم يعيد تدوير الصورة المألوفة عن «المطحون» بوصفه شخصية درامية جاهزة للاستهلاك؟
بخمس أرواح
إخراج رامي حنا، تأليف يزن الداهوك وحمزة اللحام
منذ اللحظات الأولى للإعلان عنه، تصدر مسلسل «بخمس أرواح» للمخرج رامي حنا قائمة الأعمال الرمضانية، حيث يطلّ قصي خولي مجددًا على الشاشة بعد غياب، بمشاركة كاريس بشار، في لقاء درامي يستثمر في ثنائية رسّخت حضورها في ذاكرة المشاهد السوري والعربي.
من خلال شخصيتيْ «شمس» و«سماهر»، تنطلق الحكاية من مفارقة درامية واضحة: «شمس»، الملقب بـ«ابن الميتة»، يكتشف أنه الوريث الوحيد لرجل نافذ، غير أن حصوله على الإرث مشروط بالعثور على أربعة أشقاء تعمّد الأب محوهم من السجل العائلي. من هنا تبدأ رحلة مشحونة بالغموض والتحديات، حيث لا يكون البحث عن المال سوى سطح لحكاية أعمق تتعلق بالنسب والاعتراف والهوية.
وهنا أيضًا يكون الفقر في القلب من الحكاية، فمنذ اللحظات يجد المشاهد نفسه أمام تجربة وجدانية تغوص في قاع الألم والحرمان، قبل أن تمهّد الطريق لصعود درامي قائم على التحولات والصراعات المتشابكة.
غير أن اللافت في «بخمس أرواح» لا يقتصر على حبكته، بل يمتد إلى نبرته الإخراجية. فالعمل يبتعد عن الصورة التي ارتبطت في أذهاننا بأعمال رامي حنا؛ تلك النوستالجيا الهادئة، والمشاهد المتأنية، والاشتغال الحميم على التفاصيل الصغيرة. هنا نحن أمام عالم أكثر صخبًا وزخمًا: حركة دائمة، توتر متصاعد، وانتقالات حادة بين الأمكنة والمشاعر. الكاميرا أقل ميلًا للتأمل، وأكثر انخراطًا في العاصفة.
هذا التحول لا يبدو عابرًا، بل يشي برغبة في كسر التوقعات وإعادة تقديم المخرج ضمن مساحة أكثر جماهيرية وإثارة، من دون التخلي الكامل عن حساسيته الإنسانية. فوسط صراع الإرث، يظل السؤال الأعمق حاضرًا: ماذا يعني أن تبحث عن إخوتك؟ أهو بحث عن مال، أم عن اعتراف؟ عن نسب، أم عن حق في الانتماء؟ وكيف يُمكن للحياة أن تُغير مسارها بهذه الطريقة الجذرية؟
صحاب الأرض
إخراج: بيتر ميمي، وتأليف عمار صبري
منذ الإعلان عن تقديم مسلسل (صحاب الأرض)، والذي كان اسمه (تحت الحصار) فى أول الأمر، تباينت الآراء بين متحمس ومتشكك. استعان الفريق الأول بالتقارير الإسرائيلية المنزعجة من المسلسل، بينما عبّر الفريق الثاني عن تخوّفه من بروباجندا سياسية مفتعلة. لم أنحز إلى أيٍ من الفريقين غير أني تحمست للمشاهدة حماسًا حذرًا، خصوصًا وأن العمل يجمع اثنين من أحب الممثلين لي، منة شلبي وإياد نصار.
ذهبت للمشاهدة محاطًا بالفضول والتساؤلات عن الرؤية التي سيقدمها، فالمسلسل إنتاج ضخم بميزانية كبيرة لشركة المتحدة، أي أنه يُعبّر بشكل ما عن السردية التي تتبناها الإدارة المصرية للمأساة الغزاوية. لا أنكر أن اسم بيتر ميمي كمخرج للعمل قلّل من توقعاتي، فهو مخرج مميز تقنيًا إلا أنه يفتقد للرؤية وللشخصية الفنية، غير أني أملت أن تُقلص الكتابة الجيدة من أثر هذا العوار.
أعتقد أن أوّل عمل فني مصري تناول الصراع في فلسطين كان فيلم (أرض السلام) لكمال الشيخ عام 1957، والذي جسد قصة حب تجمع فدائيًا مصريًا ينضم إلى المقاومة ضد الصهاينة مع فتاة فلسطينية. يعود مسلسل (صحاب الأرض) إلى استحضار ثيمة مشابهة ولكن بشكل معكوس حيث ثمة علاقة تربط بين رجل فلسطيني وطبيبة مصرية تذهب في مهمة إغاثية داخل القطاع.
جسّد المسلسل المأساة في غزة من وجهة نظر المواطن الفلسطيني العادي، فالشخصيات الأساسية بالمسلسل أناس عاديون وبشر بسيطون، غير منخرطين في جماعات معينة، يخافون ويخطئون وينفعلون ويفقدون عقولهم، ليسوا ملائكة ولا أبطال خارقين.
أعتقد أن المسلسل نجح في حلقاته الأولى في نقل صورة مصغرة ولكنها مقربة لرجال في قلب الانفجار دون أن يبدو الأمر تجاريًا أو استغلالًا فجًا للمأساة. على كلٍ لا أتوقع أن يقدم المسلسل رؤية فنية مميزة أو نظرة فكرية متفردة، فهذا يحتاج إلى مسافة تسمح برؤية واسعة وتأمل أهدأ، وهو ما لم يتوفر بعد، إذ لا زلنا ننعى الشهداء حتى يومنا هذا ورائحة الحريق لم تغادر الأجواء، ولذا أميل إلى أن العمل سيصبح أقرب إلى وثيقة تسجل جزءًا يسيرًا ولكن معبرًا من المذبحة، بصورة تقبض القلب وأداء يلمسه، مما قد ينقل لنا ولو القليل من المشاعر الإنسانية لشعب تحت القصف، وهي أحاسيس من الصعب تخيلها إلا عبر المعايشة، وربما يساعدنا العمل الفني على ملامسة بعض منها.
بيبو
إخراج أحمد شفيق وتأليف تامر محسن
أنتظر في النصف الثاني من رمضان عرض مسلسل (بيبو). ربما لم أكن لأنجذب إلى مسلسل من بطولة أحمد بحر الشهير بـ(كزبرة) لولا وجود اسم تامر محسن ككاتب للقصة ومشرف على المشروع. وهذه هي المرّة الأولى التي يكتب فيها محسن عملًا ويعهد به إلى مخرج آخر لتنفيذه. فتامر مُخرج بالأساس ولذا من المتوقع أن يحتفظ بكل كتاباته لنفسه، وأن يسعى لإتمام الأحلام التى بدأها. أثار تصرف تامر محسن فضولي وتساؤلاتي عن السبب الذي دفعه لتمرير المشروع إلى مخرج آخر، حيث بدأ عبد الرحمن أبو غزالة في تنفيذ المسلسل قبل أن يصاب في حادث سيارة ويتعذر استكمال مهمته، مما دفع القائمين على العمل لاختيار أحمد شفيق ليحل مكانه، وهو ما يشير إلى إصرار محسن على عدم إخراج المسلسل بنفسه. هل فكر أن ثمة أجواء أو تفاصيل في العمل لن يكون هو الأفضل لنقل روحها؟ لا أعلم.
تتميز ثيمة بيبو في أنها تستعرض مجتمعين متباينين، وهي سمة اعتادها تامر محسن في كثيرٍ من أعماله مثل (قلبي ومفتاحه) و(هذا المساء). في هذه المرة يكتشف بطل العمل الذي يعيش في حي قاهري شعبي تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية قاسية أن ثمة علاقة عائلية تربطه بعائلة كبرى في الصعيد، عائلة لم يكن يعلم عنها شيئًا. ظل الصعيد لسنوات مسرحًا لأحداث الدراما التليفزيونية المصرية، خصوصًا في التسعينيات، قبل أن تهجره الكاميرات وتنقسم إلى فريقين، يتمركز الأول في ديكورات تمثل الأحياء الشعبية، ويستقر الآخر فى الكومباوندات المنعزلة. ورغم أجواء الحارة المعتادة تليفزيونيًا، يبتعد المسلسل عن نموذج البطل الشعبي المتكرر ويجنح إلى عرض قصة شاب يعاني في البحث عن العمل والمال والزواج، ولذا أعتقد أن المسلسل قد يعرض بُعدًا اجتماعيًا حقيقيًا، مقتربًا من الواقع وأسئلته ومعاناته بمسحة من الخيال والكوميديا تخفف من وطأة الصورة القاتمة، هذا ما أتوقعه وأتمناه وإن غدًا لناظره قريب.
ليس اسم تامر محسن دافعي الوحيد للمشاهدة، فهناك أيضًا الممثل الكبير سيد رجب في دور أساسي، وكذلك محسن منصور وسيمون، مما يجعلنا أمام فريق متنوع. ويذكرني اختيار كزبرة لبطولة العمل باختيار شعبان عبد الرحيم من قِبل الراحل الكبير داوود عبد السيد ليقوم ببطولة فيلم (مواطن ومخبر وحرامي)، فهل يوفّق كزبرة ومن خلفه فريق العمل وينجح الرهان في هذه المرة كما نجح من قبل؟
الغميضة
إخراج علي العلي، وتأليف هبة مشاري حمادة
البطلة الأساسية لهذا المسلسل الكويتي هدى الحسين، وتلعب دور وداد الكفيفة التي تعمل في خياطة الملابس. تدور أحداثه في فترة السبعينيات ضمن سياق اجتماعي وأسري تتجلى من خلال شخصياته أبعاد نفسية واجتماعية وطبقية شهدتها الأسرة خلال السبعينيات.
أولت الكاتبة عنايةً كبيرة بالجانب النفسي للشخصيات وخبايا نفسياتها، حيث تمثل كلٌ منها حالة قائمة بذاتها، فوداد الأم الفطنة التي ترى بعين قلبها ما لا تراه بعينها تعكس صورة الأم الساعية لمساعدة أسرتها غير أنها تتعرض للاستغلال ممن حولها. وعلى جانب آخر تقدم عبير أحمد (شاها) شخصيةً مُركبة تلتقي فيها العديد من التناقضات نظرًا لكونها تعاني من اضطراب الشخصية الحدية. أما لولوة الملا (حنان) فقد لقيت إشادة واسعة منذ عرض أولى حلقات المسلسل لبراعتها في تجسيد شخصية تعاني من درجة من التأخر العقلي، حيث ظهرت في مشهد مؤثر للغاية بعد أن وضعت جنينًا لا تعرف مَن يكون والده، جالسةً في قنّ الدجاج مخاطبةً الدجاجات ومعتذرةً لهن عما تسببت به لهن عند أخذ بيضهن/ أبنائهن.
يسلط المسلسل الضوء على قضايا المرأة وما يعانينه من خلال سياقاتٍ مختلفة، فنجد ربة المنزل الكفيفة ومعاناتها لإعالة أسرتها والتغلب على الاستغلال التي تتعرض له من أقرب الناس لها، كما نرى صاحبة الاحتياجات الخاصة وعالمها البسيط البريء في مقابل الواقع القاسي والظلم التي تواجهه. ونشاهد الطالبة الجامعية المشاركة في المظاهرات المطالبة بحقوق سياسية واجتماعية. والحقيقة أن هدى حسين حريصة دومًا على تقديم شخصياتٍ نسائية معقدة ذات همّ اجتماعي تعكس من خلاله واقع الشخصيات المقدمة على أصعدة اجتماعية مركبة. لكن السؤال المشوق يتعلق بماهية المفاجأة التي تحملها وداد في قادم الحلقات.
كان ياما كان
إخراج كريم العدل، وتأليف شيرين دياب
بطلا هذا المسلسل هما ماجد الكدواني (مصطفى) ويسرا اللوزي (داليا)، وهو من تأليف شيرين دياب التي عُرفت بطرح العديد من القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة مثل مسلسل تحت الوصاية، وقد أثارت أعمالها دومًا النقاشات التي أسهمت في بعض الأحيان في إثارة جدل وإعادة نظر في قوانين الأسرة. وفي هذا العمل تُطرح قضية أزمة منتصف العمر إذ تطلب داليا الطلاق من زوجها. الجديد هنا هو أن الأعمال الفنية المصرية لطالما تناولت أزمة منتصف العمر عند الرجل، لكننا نراها في هذا المسلسل عند المرأة.
نرى مصطفى الزوج والأب الذي رغم بساطته الجلية إلا أنه يحمل عمقًا مُركبًا يظهر من خلال تتالي الأحداث التي تستدعي تنوعًا متباينًا من المشاعر. يحاول مصطفى التأني في أخذ قرار الانفصال تلبيةً لرغبة زوجته، في محاولةٍ منه لفهم ما يحدث واستيعابه. وقد سبق ونال ماجد الكدواني إعجابًا كبيرًا لتأثيره في تجسيد جوانب عائلية شديدة الحساسية كما فعل في «موضوع عائلي».
يستعرض العمل أثر الطلاق/الانفصال على كافة أفراد الأسرة الصغيرة؛ إلا أن الابنة هي الخاسر الأكبر الذي سيدفع ثمن القرار النهائي. تتوالى الأحداث لتتطور المعضلة حول الحق في الحضانة للابنة بين الزوجين وفقًا لما أشارت له دياب.
توضّح داليا أسباب الانفصال بالقول إنها غير قادرة على المضي في العلاقة نتيجة الاختلافات النفسية التي تمرّ بها مع تقدّمها في العمر، وتساؤلاتها حول جدوى الاستمرار. ونتيجة لهذا القرار تختلف حياة الأسرة جذريًا. لكن هذا يقدم دونما تقديم شخصية على أنها الشرّ أو الخير، وإنما عبر عرض للتعقيدات النفسية للشخصيات.
عين سحرية
إخراج السدير مسعود وتأليف هشام هلال
يكتسب هذا العمل الدرامي أهميته برأيي لسببين رئيسيْن؛ الأول يتمثّل في أنه يخوض في مسألة شديدة الحساسية، ألا وهي ما الأخلاقي في كاميرات المراقبة التي تملأ الأرجاء، في المولات والكافيهات، ومحلات الأكل والملابس، والعمارات، وفي كل مكان تقريبًا. ومن ثم، أين الحدود بين الخصوصية الشخصية، والمراقبة العامة؟ أما السبب الثاني، فهو إلقاؤه الضوء بشدة على أزمة خطيرة منتشرة كالنار في الهشيم داخل مصر، ألا وهي مخدر الشابو. تُروى الحكاية، في هذا المسلسل التشويقي، من منظور اجتماعي مشوق. فعادل (عصام عمر) شاب بسيط يعمل فنّي تركيب كاميرات مراقبة، تجبره ظروفه المادية على قبول زرع كاميرات سرية لقاء المال. وتشاء الأقدار، وإذ به يشهد جريمة قتل مسجلة بالصوت والصورة وهنا يجب أن يختار بين الصمت حفاظًا على أسرته أو كشف الحقيقة وتحمل العواقب.
في ظل مقاربة غير تقليدية، يتشكل المسلسل كمسار موازي للعدالة: «من يرى؟» عوضًا عن «من المذنب؟»، حين يفشل دور الدولة. تزداد الإثارة بارتباط الأحداث بشبكات الفساد القانوني والدوائي، حيث يظهر محامٍ فاسد (باسم سمرة) يواجه مهندسًا بسيطًا يملك الدليل. «عين سحرية» يقدم حبكة درامية مشوقة، وإيقاعًا سريعًا لا يهدأ لثوان، مما يجعله ترشيحًا بارزًا هذا الموسم.
يذكّرنا المسلسل أننا نحيا في زمن المراقبة، حيث نعيش داخل عيون مفتوحة بلا نهاية، حيث الجميع مرئي؛ كاميرات في الشوارع، في المتاجر، في المداخل، وربما في غرف مغلقة. لكن العمل لا يكتفي بإثارة السؤال التقني حول الخصوصية، وإنما ينقله إلى سؤال أخلاقي بالمعنى الواسع: من يملك الحقيقة؟ ومن يدفع ثمنها؟ وفي الأخير، تأتي الكاميرات في المسلسل وكأنها تحاول أن تمرر رسالة: في ضوء هذا «المكشوف» كله، بيد أن هناك طبقات وفقراء ونساء بلا بيئات آمنة ومهمشين غير مرئيين، رغم أنهم مراقبون وتراهم الكاميرا، لكن العدالة غافلة عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي السيء.
أب ولكن
إخراج ياسمين أحمد كامل، وتأليف ماريان هاني
كما يوحي العنوان، يأخذنا «أب ولكن» إلى صراع الأبوة داخل أروقة المحاكم. يؤدي البطولة محمد فراج في دور أب يجد نفسه بعد الانفصال مقيدًا بقانون رؤية ابنته؛ إلا دقائق معدودة يراها فيها بينما تتآكل الأيام خارج تلك الدقائق. يأتي العمل، من تأليف وإخراج ياسمين أحمد كامل، وهو ينتمي صراحةً إلى الدراما الاجتماعية المهمومة بالتفاصيل الصغيرة: نظرات الطفلة، الانتظار أمام بوابة المدرسة، الصمت الثقيل في غرفة الزيارة. لا يعتمد على الميلودراما الصاخبة بقدر ما يلعب على توتر داخلي يتصاعد ببطء، كأننا أمام دراسة نفسية عن معنى أن تكون أبًا ولكن بشروط، كما هو مبين من العنوان.
يتعاطى المسلسل مع أسئلة ملحة حول التوازن بين القانون والعدالة العاطفية. هل يكفي أن يُنصفك النص القانوني؟ ماذا عن الشعور؟ ماذا عن الفقد اليومي غير المرئي؟ هنا لا يُقدَّم الأب كبطل مثالي، بقدر ما يقدم كشخص يحاول أن يظل حاضرًا في حياة ابنته رغم القيود «القانونية» لذلك.
أعتقد أن «أب ولكن» سوف يخاطب شريحة واسعة من المشاهدين الذين يعرفون هذا النوع من الصراع، سواء عاشوه أو شهدوه مع قريب أو صديق. ومن نجاحاته في الدراما الاجتماعية السابقة، من المتوقع أن يكون محمد فراج (البطل) مؤديًا ممتازًا.





