يوم الأسير الفلسطيني: ملحمة صمود لا تنطفئ (حين تصبح الحريّة جرحاً لا يُداوى)
"ومهما السجون تضم أسيرا،يظل على شفة الفلسطينيين الغناء.." ( مظفر النواب-بتصرف طفيف)
ليس القول مبالغا،ولا الكلام مجرد إنشاء خطابي، حين نؤكد أن الحرية ليست هبة تُمنح،بل حقيقة تولد مع الإنسان،تسري في دمه قبل أن تجري الكلمات على لسانه.إنها الرفيق الذي لا يخذله، والنبض الذي لا يتوقف إلا حين يتوقف القلب. وعندما يأتي احتلال ليغتصب هذه الحريّة بالقيد والسجان،فإن القانون الدولي-والضمير الإنساني قبل كل قانون-يمنح الإنسان حقا مقدسا: حق الدفاع عن أرضه وكرامته.
هذا هو جوهر ما يعيشه الشعب الفلسطيني.فقد احتلّ الإسرائيليون أرضه،وسلبوا حريته،فما كان منه إلا أن وقف في وجه العاصفة،يقاوم بقوة الحق وسلاح الصمود.ومنذ ذلك اليوم،أصبح النضال سيرة لا تنتهي.
في السابع عشر من نيسان/ أفريل من كل عام، يستذكر الفلسطينيون في كل بقاع الأرض أولئك الذين سرقت حريّاتهم خلف القضبان.ففي عام 1974،أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني هذا التاريخ ليكون يوما للأسير الفلسطيني،يوما لتضامن العالم مع معاناة خلف الجدران،ولتوجيه الأنظار إلى مآسي يومية يعيشها آلاف المعتقلين في سجون الاحتلال.
وتتنوع الفعاليات في فلسطين وخارجها: وقفات، مسيرات،حملات إعلامية،كلها تهدف إلى تحريك قضية الأسرى،وإبراز معاناتهم،والتأكيد على حقوقهم التي كفلتها المواثيق الدولية،بل والإلحاح على واجب العالم في الدفاع عنهم.
شهدت الحركة الأسيرة الفلسطينية محطات مفصلية: صفقات تبادل وإفراجات،كانت أحيانا "بوادر حسن نية" من إسرائيل،وأحيانا ثمار نضال طويل.ففي عام 1968،أفرج عن 37 أسيرا بعد صفقة تبادل مع الجبهة الشعبية.ثم توالت الصفقات،كان أبرزها عام 1985 حين أفرج عن 1150 أسيرا، وصولاً إلى صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011،التي أطلقت بموجبها حركة "حماس" سراح 1027 أسيرا مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
أما الإضرابات،فكانت ملحمة أخرى.إضراب سجن عسقلان عام 1970 الذي استشهد فيه عبد القادر أبو الفحم،وإضراب نفحة عام 1980 الذي ارتقى خلاله ثلاثة شهداء،ثم إضراب 1992،وإضراب أيار/ماي 2012 الذي أجبر إدارة السجون على إنهاء العزل وإعادة الزيارات لأهالي أسرى غزة.ثم جاء إضراب الأسير عدنان خضر الذي سلط الضوء على جريمة "الاعتقال الإداري"،تلاه إضراب سامر العيساوي الذي امتد شهورا.
وتمتد السجون الإسرائيلية كعناكب الظلام: النقب، مجدو،نفحة،عزل الرملة،جلبوع،الشارون..أسماء أصبحت مرادفة للألم،لكنها أيضا مرادفة للصمود.
وليس الأسرى خلف القضبان وحدهم.الأسير هو كل أم تنتظر طفلا لا يعود،وكل زوجة تنام ووسادة فارغة إلى جوارها،وكل طفل يكبر وصورة والده المعلقة على الجدار هي ذاكرته الوحيدة عنه. الأسير هو الحجر الذي يبكي في القدس، والزيتونة التي تدمع في غزة،والخيمة التي ترتجف في الشتات.إن معاناة الأسير لا تُقاس بالأيام أو السنوات،تُقاس بكم مرّة مات أهله وهو حي،وبكم مرة ولد طفل له وهو لا يراه،وبكم مرة دفن أحلامه وهو لا يزال يتنفس.لكن الأروع من كل هذا: أن الروح الفلسطينية،حين تُسجن،تصبح أكثر اتساعا من كل السجون،وأكثر حرية من كل القيود.ويوم الأسير ليس تذكارا لماض،بل وعد لمستقبل.وعد بأن كل قيد سينكسر،وكل جدار سيسقط،وكل أسير سيعود.وليس لأن القوة تنتصر،بل لأن الحق لا يموت.
ونحن على يقين: يوم الحرية قادم،ويوم الاستقلال آتٍ.لكنه لن يأتي بالانتظار،بل بالنضال والوحدة.ويتطلع الفلسطينيون إلى تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية،والخروج بوحدة وطنية حقيقية،ورسم استراتيجية نضالية تنهي الانقسام. وبدعم عربي شعبي ورسمي،ورأي عام دولي نعيد تعبئته بعدالة قضيتنا.
في يوم الأسير،لتكن مسيرة عطاء لا تنقطع.وليبق الشعار الذي أطلقه القائد الكبير الأسير أبو العباس: "إن كل ما نقدمه لا يساوي قطرة دم تسيل من طفل فلسطيني". وإننا على يقين بأن جهودنا لن تذهب سدى،فمسيرة النضال ستتوج بتحقيق حق العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
أكتب هذه الكلمات داعيا كل المؤسسات وكل الأفراد إلى تضافر الجهود من أجل الأسرى، وتحويل قضيتهم إلى قضية عالمية،تعرض قصص الاضطهاد اليومية التي يعيشونها.محذرا من تكرر مشاهد سجن أبو غريب وغوانتانامو في السجون الإسرائيلية.وداعيا كل شباب العالم إلى الانخراط في حملات مقاطعة إسرائيل،واستثمار قضية الأسرى في تلك الحملات،لأن المقاطعة سلاح أكثر تأثيراً من الرصاص.ومشددا على أن إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية هو أقصر الطرق إلى تخفيف معاناة الأسرى،وإلى النصر النهائي.
نعم،الحرية قادمة.والأسرى قادمون.وفلسطين قادمة.مهما طال الليل،فإن الفجر آت لا محالة.
وبقدر ما تغتال السجون أجسادهم،تظل إرادة الأسير الفلسطيني أصلب من الجدران،وأعلى من الصفارات.إن النضال المتواصل،والصمود الأسطوري،وتضامن القوى العربية التقدمية،كلها عوامل تقودنا إلى يقين راسخ: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي يلوح به الاحتلال سيذهب أدراج الرياح،وسيتحطم كالزبد على صخر العزة،وستدور طواحين الهواء فارغة لا تطحن إلا وهما.فمهما علت جدران السجون،تبقى الحرية قدرا محتما،ويبقى الأسير رمزا لن يموت حتى ينال حريته أو يروي تراب وطنه بدمائه الزكية.
لست أحلم،لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات حفاة الضمير وأوهام السفاح نتنياهو..
*يُحيي الفلسطينيون "يوم الأسير الفلسطيني"في 17 نيسان/أفريل من كل عام،وهو يوم وطني أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 تضامناً مع الأسرى في السجون الإسرائيلية ووفاء لتضحياتهم.ويهدف هذا اليوم إلى تسليط الضوء على معاناة الآلاف من الأسرى،بينهم نساء وأطفال، في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية،والاعتقالات الإدارية،والتعذيب الممنهج.





