تتويج لثقل تاريخي وصعود إستراتيجي

في لحظة فارقة من تاريخ الحضور الإفريقي للجزائر، يدوّن الثلاثون من أفريل 2026 صفحة جديدة في سجلّ الدبلوماسية الوطنية، بانتخاب الدكتور فاتح بوطبيق رئيسًا لبرلمان عموم أفريقيا، بعد اثنتين وعشرين سنة من تأسيس هذا الصرح البرلماني القاري. لحظة ليست بروتوكولية عابرة، بل تتويج لمسار طويل من التراكم السياسي والدبلوماسي، وانعكاس صريح لمكانة الجزائر كصوت جامع ومرجعية ثقة داخل الفضاء الإفريقي.
وإذا كان للتاريخ أن يبعث رسائله في اللحظات الكبرى، فإن رمزية هذا الانتخاب تستدعي استحضار سنة 1926، حين تأسس نجم شمال أفريقيا بوصفه أحد أوائل التعبيرات السياسية التي حملت وعيًا مبكرًا بوحدة المصير بين شعوب شمال القارة وعمقها الإفريقي. ومنذ تلك اللحظة المؤسسة، ظلّ الوجدان السياسي الجزائري مشدودًا إلى فكرة إفريقيا الواحدة، القادرة على أن تنهض بإرادة أبنائها، وأن تبني وحدتها بتكامل جهودها.
ومن هذا المنظور، فإن انتخاب مرشح جزائري على رأس هذا المحفل القاري ليس مجرد استحقاق مؤسساتي، بل امتداد أمين لذاكرة نضالية آمنت بأن إفريقيا لا تُبنى إلا بإفريقيا.
هذا الانتخاب لم يكن وليد الصدفة، ولا مجرد توافق ظرفي، بل هو تعبير عميق عن إدراك إفريقي متنامٍ للدور الذي تضطلع به الجزائر، دولةً ومؤسسات، في ترسيخ قيم التضامن والوحدة الإفريقية.
لقد جاءت هذه الثقة تتويجًا لرصيد نضالي وتحرري ودبلوماسي متجذر، جعل من الجزائر، عبر عقود، قبلة لحركات التحرر ومنصة للدفاع عن قضايا القارة العادلة، من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها.
فمن دعم نضال شعب جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، إلى مرافقة مسارات الاستقلال في ناميبيا وموزمبيق وغينيا، مرورًا بإسناد حركات التحرر في تنزانيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية، ظلّت الجزائر ثابتة على مبدئها التاريخي: إفريقيا للأفارقة، وسيادتها لا تُجزّأ.
لقد كانت الجزائر، منذ ستينيات القرن الماضي، أرضًا حاضنةً لحركات التحرر، وفضاءً جامعًا لكل ألوان الطيف الإفريقي، ومنبرًا لنصرة القضايا العادلة، مستلهمة في ذلك روح رواد التحرر الأفارقة من أمثال كوامي نكروما وجوليوس نيريري ونيلسون مانديلا، وعلى خطى مدرسة جزائرية راسخة جسّدها هواري بومدين حين جعل من الجزائر قبلةً للأحرار وصوتًا للمستضعفين. واليوم، يتجدّد هذا الإرث في صيغة مؤسساتية حديثة، تؤكد أن ذاكرة التحرر لا تزال قادرة على إنتاج أدوار جديدة، أكثر واقعية وفاعلية.
وإذا كان هذا التتويج البرلماني يعكس حضور الجزائر في الفضاء التمثيلي القاري، فإنه يتكامل عضويًا مع سجلّها في الهيئات الإفريقية الإستراتيجية، حيث سبق للدبلوماسية الجزائرية أن اضطلعت بأدوار محورية داخل مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي، الذي ترأسته شخصيات جزائرية وازنة، وأسهمت من خلاله في إدارة الأزمات الإفريقية، وترسيخ مقاربات الحلول السلمية، وتعزيز مبدأ “إفريقيا تتكفل بشؤونها بنفسها”. وهو ما يكشف عن خيط ناظم بين مختلف تجليات الحضور الجزائري: من فضاءات القرار الأمني، إلى منابر التمثيل البرلماني، في تكامل يعكس شمولية الرؤية وثبات النهج.
اليوم، يتجدد هذا الامتداد التاريخي في ثوب مؤسساتي حديث، حيث تتقاطع الدبلوماسية الرسمية مع الدبلوماسية البرلمانية في تناغم يعكس نضج التجربة الجزائرية.
فانتخاب الدكتور فاتح بوطبيق هو أيضًا انتصار لنهج متكامل تقوده أعلى هرم الدولة، بقيادة السيد عبد المجيد تبون، رئيس الجمهورية، الذي جعل من استعادة الجزائر لدورها الإفريقي أولوية إستراتيجية، مدعومًا برؤية واضحة تعيد الاعتبار للبعد القاري في السياسة الخارجية.
كما أن هذا الإنجاز لا ينفصل عن التزام جزائري متواصل، سياسيًا واقتصاديًا، تجاه القارة الإفريقية، يتجلى في دعم مسارات السلم والاستقرار، والانخراط في مشاريع الاندماج القاري، ومرافقة الجهود التنموية، وتعزيز الشراكات جنوب–جنوب، بما يترجم حضورًا ثابتًا لا تحكمه الظرفية، بل تؤطره قناعة راسخة بأن ازدهار الجزائر من ازدهار إفريقيا، وأن أمنها واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن القارة برمتها.
إن هذا التتويج يحمل في عمقه ترجمة عملية لرؤية سياسية ترى أن زمن إفريقيا قد بدأ، وأن القارة مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة التحرر السياسي إلى مرحلة التحرر الاقتصادي والتكنولوجي والمؤسساتي.
فالتحدي لم يعد أن تثبت إفريقيا وجودها، بل أن تفرض حضورها، وأن تمتلك أدوات قرارها، وأن تحوّل مواردها إلى قوة تنموية، وشبابها إلى طاقة اقتراح، ومؤسساتها إلى منصات فعل لا مجرد فضاءات نقاش.
ولم يكن هذا التتويج ليتحقق دون الجهد التراكمي الذي بذلته المؤسسة التشريعية، وعلى رأسها مجلس الأمة الجزائري، من خلال تفعيل الدبلوماسية البرلمانية كأداة مكمّلة وفاعلة، عبر الحضور النوعي في المحافل القارية، وبناء جسور الثقة والتنسيق مع البرلمانات الإفريقية.
لقد أثبتت هذه الدبلوماسية أنها ليست مجرد نشاط موازٍ، بل رافعة حقيقية لتعزيز تموقع الجزائر داخل منظومة القرار الإفريقي، وصوتًا يعكس التمثيلية الشعبية والرسمية للقارة في آن واحد.
إن رئاسة الجزائر لبرلمان عموم إفريقيا في هذا الظرف بالذات، تحمل دلالات متعددة: فهي من جهة اعتراف جماعي بصدقية الطرح الجزائري، ومن جهة أخرى تكليف سياسي وأخلاقي لمواصلة الدفاع عن القضايا الإفريقية، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعقد فيه رهانات السيادة والتنمية، من الأمن الغذائي إلى التحولات المناخية، ومن رهانات الاندماج الاقتصادي إلى ضرورة امتلاك القرار المالي والتكنولوجي.
كما تمثل هذه اللحظة مرآة صادقة لـ”الجزائر الجديدة”، التي تستعيد بثقة وثبات حضورها الإقليمي والدولي، مستندة إلى إرثها الثوري، ومُفعّلة أدواتها الدبلوماسية، ومُجدّدة خطابها السياسي بما يتلاءم مع تحولات المرحلة، عبر خطاب يقوم على الندية، ويخاطب العالم بلغة المصالح المشتركة والشراكات المتوازنة.
إنها ليست مجرد رئاسة لهيئة برلمانية، بل عنوان لعودة الجزائر إلى قلب إفريقيا، فاعلة ومؤثرة ومُلهمة. وهي أيضًا رسالة واضحة بأن الدول التي تبني تاريخها على المبادئ، وتصون مواقفها بالثبات، تجد دائمًا مكانها الطبيعي في قيادة المسارات الكبرى.
وفي هذا الأفق، يبدو انتخاب الدكتور فاتح بوطبيق أكثر من استحقاق شخصي أو وطني؛ إنه لحظة إفريقية بامتياز، تعكس تطلع القارة إلى قيادة متزنة، وصوت حكيم، ورؤية تستلهم الماضي لبناء المستقبل؛ رؤية تؤمن بأن إفريقيا ليست قارة تبحث عن مكان في العالم، بل قارة تصنع مكانها، وأن برلمانها القاري مدعو لأن يكون ضمير شعوبها، وصوتها الموحد، ومنصةً حقيقية لصياغة نهضتها القادمة.
إنها الجزائر، حين تعود إلى إفريقيا… لا كضيف على تاريخها، بل كأحد صانعي مستقبلها.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post تتويج لثقل تاريخي وصعود إستراتيجي appeared first on الشروق أونلاين.





