“ترنيمة إفريقية” بين غواية السرد وتجربة رصد الآخر من الداخل
سعيد رباعي
تقدّم المجموعة القصصية “ترنيمة إفريقية” لعائشة حسمي نفسها في ظاهر الأمر بوصفها نصًا سرديا تأمليًا قريبا من الرحلة، غير أنّه سرعان ما يكشف عن طموح أكبر: إعادة كتابة إفريقيا خارج القوالب النمطية، ومن داخل تجربة ذاتية تتوسل الحساسية الشعرية والانخراط الإنساني.
ينتظم الكتاب وفق بنية مفتوحة، أقرب إلى الشذرات منها إلى السرد الخطي، حيث تتجاور اليوميات مع التأملات والاقتباسات. هذا الاختيار الجمالي يمنح النص مرونة وتعددًا في الأصوات، إذ يبدو وكأنه يتنقل بين مستويات خطابية مختلفة برابط عضوي اسمه شساعة المتخيل. فالتجاور بين النصوص الشعرية، والملاحظات الإثنوغرافية، والتأملات الفلسفية، تخلق غنى دلاليًا مفتوحا.
في القسم المخصص للتجربة الثقافية الإفريقية، ينجح النص في التقاط تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية: الأسواق، الرقص، الطقوس، والعلاقات الاجتماعية.. فالسوق، الذي يُقدَّم كـ”مدرسة للحكمة”، يطل علينا كفضاءً مُؤوَّل من خلال حساسية الكاتبة، ومن خلال صوت داخلي ينبثق من التجربة الإفريقية نفسها.
يُلاحظ كذلك حضور مكثف للاقتباسات من مفكرين وأدباء عالميين، من سنغور إلى تولستوي، وهو حضور يضفي على النص بعدًا كونيًا يضعنا أمام كتابة تنبع من التجربة، أما في القسم الخاص بمحو الأمية، فيبلغ الكتاب ذروته الأخلاقية، حيث تتحول الكتابة إلى فعل التزام الذي لا يتخلى عن البعد الجمالي.. أولى مظاهر الجمالية في نص “ترنيمة إفريقية” تتجلى في بنية الكتاب المفتوحة، التي تقوم على التقطيع بدل الاسترسال، وعلى الشذرات بدل الحكاية الخطية.
هذه البنية تعكس طبيعة الوعي الذي يكتب: وعي يتشكل في الطريق، ويتغير مع كل مشهد، ومع كل لقاء. لذلك يبدو النص وكأنه يتنفس عبر مقاطعه، وعبر تسلسل أحداثه، مما يمنحه إيقاعًا داخليًا خاصًا.
أما على مستوى اللغة، فيُلاحظ حضور شعرية مكثفة تقوم على الاقتصاد في العبارة، وعلى توظيف الاستعارة بوصفها أداة للفهم لا للزينة. فحين يُقال إن “الإيقاع في الجسد الإفريقي هو استمرار لنبض الأرض”، نكون أمام تصور للعلاقة بين الإنسان ومحيطه، تُختزل فيه فلسفة كاملة للحياة. هذه القدرة على تكثيف المعنى داخل صورة واحدة تمنح النص قوته الإيحائية.

إن “ترنيمة إفريقية” الصادر في طبعة أنيقة عن منشورات النورس، نص طموح يراهن على إعادة اكتشاف إفريقيا عبر تجربة ذاتية منفتحة، نص يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، وهو في ذلك ينجح في أن يكون مادة للتفكير، بقدر ما هو مادة للقراءة.
ومن أبرز عناصر الجمالية أيضًا الإنصات العميق للتفاصيل اليومية. فالكتاب لا يبحث عن إفريقيا في لحظاتها الاستثنائية، بل في تفاصيلها البسيطة: في السوق، في الرقص، في وجوه النساء، وفي طقوس العيش.
تُقدَّم هذه التفاصيل كعلامات دالة على منظومة ثقافية أوسع. فالسوق، مثلًا، يتحول إلى فضاء رمزي للتعارف والحكمة، حيث تتقاطع الحكايات وتتشكل الذاكرة الجماعية.
كما تتجلى جمالية النص في تعدد الأصوات المرجعية، حيث يتقاطع صوت الكاتبة مع أصوات شعراء ومفكرين من ثقافات مختلفة. هذا التناص لا يأتي بوصفه استعراضًا ثقافيًا، بل كآلية لفتح النص على أفق كوني، يجعل التجربة الفردية جزءًا من حوار إنساني أوسع. وهنا، تتحول الكتابة إلى فضاء تفاعلي.
في القسم الخاص بمحو الأمية، تأخذ الجمالية بعدًا أخلاقيًا، حيث تتقاطع الكتابة مع الفعل. غير أن هذا البعد لا يُفقد النص شعريته، بل يمنحه عمقًا إضافيًا، إذ تتحول اللغة إلى وسيلة لالتقاط التحولات الداخلية للإنسان، لا مجرد أداة لنقل المعطيات. ففكرة أن القراءة تفتح أفق الحرية لا تُطرح كشعار، بل كتجربة معيشة تنعكس في تفاصيل اليوميات.
ومن زاوية أخرى، يمكن الحديث عن جمالية العبور بوصفها خيطًا ناظمًا للنص. حيث تتأسس جمالية “ترنيمة إفريقية” على توازن دقيق بين الحساسية الشعرية والانتباه الواقعي، بين الذات والآخر، وبين التجربة واللغة. إنه نص لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد تشكيله عبر الكتابة، ويمنح القارئ فرصة لاكتشاف إفريقيا، لا كموضوع للمعرفة، بل كأفق للإنصات والتأمل.
The post “ترنيمة إفريقية” بين غواية السرد وتجربة رصد الآخر من الداخل appeared first on أنباء إكسبريس.



